أمّا من ناحية الحصار الاقتصادي ، فقد نصّت وثيقة معاوية على حذف اسم الشيعي من ديوان العطاء وهدم داره ( 1 ) . ويكفيك قول الإصفهاني في مقاتل الطالبيين ، حيث قال : ( العلويّات كن يتداولن الثوب الواحد من أجل الصلاة ) ( 2 ) .
فلأجل تلك المطاردة والقتل وهذا الحصار والتجويع ، التجأ أهل البيت ( عليهم السلام ) إلى بنود القرآن وما قامت عليه السنّة ؛ ليفعِّلوا بنداً من بنودها وضع للاضطرار ، ولكن هذا الاضطرار أصبح دستوراً للشيعة في حياتهم لما لاقوه من التشريد والقتل ، ولهذا قال محمّد أبو زهرة شارحاً حديث الإمام الصادق ( عليه السلام ) « التقيّة ديني ودين آبائي » ، قال : ( مبدؤنا ومبدأ آبائنا ، وقد اتخذناه على أنّه دين لكي نمتنع من الجهد بما نراه في حكّام الزمان حتّى لا تكون فتنة وفساد كبير ، إذ النفوس ليست مهيّأة للنصرة ) ( 3 ) .
واعترف أبو زهرة بهذا الضغط عندما قال : ( فليس هناك من ريب في أنّه كان للتقيّة في عصر الإمام الصادق ( عليه السلام ) وما جاء بعده ، وهي كانت مصلحة للشيعة وفيها مصلحة الإسلام ، لأنّها كانت مانعة من الفتن المستمرّة ) ( 4 ) .
وهذا الخوف والحالة الطارئة هي حياة الشيعة على مرّ التاريخ ، ففعَّلوا هذا البند وجعلوه يعيش معهم من دون كلّ المسلمين ، فشنّ أعداؤهم والذين لا ينظرون في بحوثهم إلاّ إلى ما يريدون إثباته ، لا ينظرون إلى الواقع المرير الذي عاشته الشيعة على مرّ التاريخ ، فرموا الشيعة بتهمة الغشّ والنفاق ، فقال من لا دين له ، ولا موضوعيّة في بحوثه : ( التقيّة على ما عليه الشيعة غش في الدين ) ( 5 ) .
ولكن صاحب هذا الكلام يؤمن بهذا الغش في مواقع الاضطرار والإكراه ، فالتقيّة التي تقول بها الشيعة قال بها الأحناف ، وصحّحوا التقيّة في موارد الإكراه في الصلاة ،
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة : ج 11 ، ص 44 - 45 .
( 2 ) مقاتل الطالبيين : ص 479 .
( 3 ) الإمام الصادق : ص 243 - 244 .
( 4 ) المصدر نفسه .
( 5 ) الشيعة وتحريف القرآن : ص 35 .