ومن شواهد القسم الثاني قوله تعالى : ( ذَلِكَ مِنَ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ) ( 1 ) و ( عَالِمِ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِر عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُول ) ( 2 ) .
وغير ذلك من الشواهد التي تؤكّد علم الغيب ، الذي أطلع الله رسوله ومن ارتضى من الأولياء عليه ، واتفق المسلمون قاطبة ، شيعة وسنّة ، على أنّ القسم الأوّل اختص الله تعالى به ، ولم يطلع عليه أحد ، بينما اتفقوا على اطّلاع الأنبياء والأولياء على القسم الثاني .
يقول الرازي : ( فثبت أنّ الله تعالى قد يطلع غير الرسل على شيء من الغيب ) ( 3 ) .
ويقول ابن حجر الهيثمي في هذا الباب : ( لا منافاة بين قوله تعالى : ( قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهَ ) وقوله : ( عَالِمِ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِر عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ) وبين علم الأنبياء والأولياء بجزئيّات من الغيب ، فإنّ علمهم إنّما هو بإعلام من الله تعالى وهذا غير علمه الذي تفرّد به تعالى شأنه من صفاته القديمة الأزليّة الدائمة الأبديّة المنزّهة عن التغيير ) ( 4 ) .
وقال النيسابوري صاحب التفسير : ( إنّ امتناع الكرامة من الأولياء إما لأنّ الله ليس ( معاذ الله ) أهلاً لأن يعطي المؤمن ما يريده ، وإمّا لأنّ المؤمن ليس أهلاً لذلك ، وكلّ منهما بعيد ، فإنّ توفيق المؤمن لمعرفته لمن أشرف المواهب منه تعالى لعبده ) ( 5 ) .
وقال ابن أبي الحديد : ( إنّا لا ننكر أن يكون في نوع من البشر أشخاص يُخبرون عن الغيوب ، وكلّه مستند إلى الباري جلّ شأنه بإقداره وتمكينه وتهيئة أسبابه ) ( 6 ) .
فالفكر الإسلامي لا ينكر مسألة اطلاع أولياء الله ورسله على بعض الغيوب التي علّمها الله لهم ، وما أثبته الأئمّة لأنفسهم من العلم هو القسم الثاني الذي أذعن
هامش
( 1 ) آل عمران : الآية 44 .
( 2 ) الجن : الآية 25 - 26 .
( 3 ) تفسير الرازي : ج 30 ، ص 149 .
( 4 ) مقتل الحسين للمقرّم : ص 53 .
( 5 ) مجلّة تراثنا ، العدد : 37 ، ص 26 .
( 6 ) شرح نهج البلاغة : ج 5 ، باب 58 ، ص 12 .