المفردات له استعمالات متعدّدة ومنها ( تصيير الشيء على حالة دون حالة ) ( 1 ) ، وهذا ما أكّده جملة من المفسرين ، كالرازي في التفسير الكبير ( 2 ) والآلوسي في روح المعاني ( 3 ) ، وعندما يقارن هذا الجعل بما يناظره من الموارد في القرآن الكريم نجد أنّه يفيد معنى السنّة الإلهيّة كقوله تعالى : ( جعل لكم ممّا خلق ظلالاً ) و ( وجعل القمر فيهنّ نوراً ) ونحوهما .
ثانياً : إنّ هذا الخليفة ليس هو مطلق الإنسان فيكون من قبيل قوله تعالى : ( هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ) ( 4 ) . وإنّما المقصود به إنسان بخصوصه ، وذلك بقرينة الآيات اللاحقة التي أثبتت أنّ هذا الموجود الأرضي إنّما استحقّ الخلافة الإلهيّة لأنّه عُلِّم الأسماء كلّها مباشرة منه تعالى : ( وعلّم آدم الأسماء كلّها ) ، ثمّ صار واسطة بينه تعالى وبين ملائكته ( يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) ومن الواضح أنّه لا يمكن أن يراد به كلّ انسان ، حتّى أُولئك الذين عبّر عنهم القرآن الكريم ( أُولئك كالأنعام بل هم أضل ) ( 5 ) ، إذن فهذه الآية تدل على ضرورة استمرار الخلافة الإلهيّة ، أمّا من هو ذلك الخليفة في كلّ زمان فله بحث آخر ، سنعرض له لاحقاً .
الآية الثانية : قوله تعالى لإبراهيم الخليل ( عليه السلام ) : ( إنّي جاعلك للناس إماماً ) ( 6 ) ، وهذه الإمامة هي غير النبوّة والرسالة التي كانت لإبراهيم ( عليه السلام ) والشاهد على ذلك :
1 - « طلب الإمامة للذريّة حيث قال : ( ومن ذرّيتي ) ، ومن الواضح أنّ حصول إبراهيم ( عليه السلام ) على الذريّة كان في كبره وشيخوخته ، كما قال : ( الحمد لله الذي وهب لي
هامش
( 1 ) المفردات في غريب القرآن : ص 94 ، مادّة « جعل » .
( 2 ) التفسير الكبير : ج 2 ، ص 165 .
( 3 ) روح المعاني : ج 1 ، ص 220 .
( 4 ) فاطر : 39 .
( 5 ) الأعراف : 179 .
( 6 ) البقرة : 124 .