الأوقات قضاء بعض الجهات انتزعها له من المحب بن الشحنة وما كنت أحب له الدخول في القضاء مع أنه لم يحصل فيه على طائل . وكذا ناب في تدريس الفقه بالظاهرية القديمة وغيرها وقرأ الحديث في كثير من الماكن كجامع الحاكم والخانقاه البيبرسية وكان إمامها والقارئ بدرس الحديث فيها زمنا وأحد صوفيتها حتى مات . بل قرأ بأخرة بمجلس الأشرف قايتباي حين توعك صاحب الوظيفة مجلسا وتنزل في صوفية الخانقاه السعيدية أيضا ورأيته يقرأ الحديث بها أحيانا بعد انتهاء الحضور ، وكذا تنزل في غيرها من الأطلاب ، وحدث باليسير أخذ عنه جماعة من الطلبة وحدثني من لفظه بالمسلسل بالأولية وكذا سمعت منه غير ذلك من الحديث والفوائد وربما كتب على الفتوى . واختصر الأنساب لابن الأثير في مجلد وقفت عليه وسماه معين الطلاب بمعرفة الأنساب وشرع في اختصار أطراف المزي وسماه إلطاف الأشراف بزهر الأطراف في أشياء ليست بالمتينة مع أوهام فيها وعدم حسن تصرف لكونه لم يكن في الفن ولا غيره بالبارع ، وكان جامدا بطيء الحركة غير حاذق في شيء من أنواعه لكنه كان يستحضر أشياء من المتون والرجل ذا أنسة بالفن في الجملة وإحساس بطرف من الفقه والعربية ملازما الانجماع غالبا مديما للتلاوة والجماعات مقبلا على التحصيل مع التقنع والاحتمال ولين الجانب ومقاساة ضنك العائلة وخفة المؤنة . وقد منحه الله القيام على عدة بنات حتى زوجهن ، وأنشأ لنفسه بكل من القاهرة ومصر دارا بعد أن جدد أخرى وهو من قدماء معارف الوالد ولذلك استدعى لي في رحلته الشامية الإجازة من جماعة من الأعيان كثر دعائي له بسببهم ثم كثر اختصاصي معه ومرافقته لي في الطلب ومزيد اغتباطه بي وإظهاره من التعظيم والإجلال ما يفوق الوصف لفظا وخطا خصوصا حين يقصدني في أشياء من متعلقات هذا الشأن يزول الأشكال عنه فيها حتى كان يحلف بالانفراد وعدم المشاركة . ورأيت منه مزيد التألم بكائنة الكاملية وصار مع ذلك يخفض عني أمرها ويقول لم أزل أسمع شيخنا يقول لا أعلم الآن وظيفة في الحديث مع
مستحقها ويردف ذلك بقوله العلم يبطئ ولا يخطئ ولا بد لك من كذا وكذا وأحب أن ، لا تهملني . ورام غير مرة كتابة ترجمة شيخنا تصنيفي والمرور عليها معي فما تيسر . هذا مع كوني في عداد أولاده وممن استفاد منه في ابتداء طلبه ، ولم يزل يرغب عن وظائفه شيئا فشيئا وكذا عن كثير من كتبه حتى مات في ليلة الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى سنة ست
الضوء اللامع لأهل القرن التاسع — صفحة 177
مساهمون: شمس الدين السخاوي
ص١٧٧