تعمد نقل غير المضبوط عنده ، لا من نقل ما يسهو عن كونه غير مضبوط فيظنه مضبوطا .
وما ذكره موجه . وتوهم أن العادل إذا عرف من نفسه كثرة السهو لم يجتر على
الرواية تحرزا من إدخال ما ليس من الدين فيه ، مدفوع بأنه إذا كثر سهوه فربما يسهو
عن أنه كثير السهو فيروي . فالحق أن اعتبار العدالة لا يغني عن اعتبار الضبط .
الثالث : أنه صرح جمع بأنه يكفي في إطلاق الضابط على الراوي كثرة
اهتمامه في نقل الحديث ، بأن يكون بمجرد سماعه الحديث يكتبه ويحفظه ويراجعه
ويزاوله بحيث يحصل له الاعتماد وإن كان كثير السهو ، إذ ربما يكون الإنسان
متفطنا ذكيا لا يغفل عن درك المطلب حين الاستماع ولكن يعرضه السهو بعد ساعة
أو أكثر ، فمثل هذا إذا كتب وأتقن حين السماع فقد ضبط الحديث وهو ضابط .
الرابع : أنه يعتبر ضبط الراوي بأن تعتبر روايته برواية الثقات المعروفين بالضبط
والإتقان ، فإن وجدت رواياته موافقة لها غالبا - ولو من حيث المعنى - بحيث
لا يخالفها ، أو تكون المخالفة نادرة ، عرف حينئذ كونه ضابطا ثبتا . وإن وجدت كثيرة
المخالفة لروايات المعروفين ، عرف اختلال ضبطه أو اختلال حاله في الضبط ، ولم يحتج
بحديثه .
ثم إن ضبط الراوي إن ثبته بالاعتبار المذكور ، أو بالبينة العادلة ، فلا
إشكال ، وكذا إن حصل الاطمينان من شهادة ثقة ماهر . وإن جهل الحال ، قيل يلزم
التوقف ، وقيل يبنى حينئذ على ما هو الأغلب من حال الرواة بل مطلق الناس من
الضبط وعدم غلبة السهو . وهذا القول أظهر لحجية الظن في الرجال . والغلبة تفيده
وجدانا ، وقد تؤيد الغلبة بأصالة بقاء التذكر والعلم بالمعنى المنافي للنسيان ، لا بمعنى
التذكر الفعلي حتى يكون متعذرا أو متعسرا ، وأصالة عدم كثرة السهو المنافية للقبول .
الخامس : أن الأظهر أن الإكثار من الرواية لا تدل على عدم ضبط الراوي ،
كما صرح به جماعة منهم العلامة في النهاية .
وقال في البداية : " إن اشتراط الضبط إنما يفتقر إليه فيمن يروي من حفظه
أو يخرجها بغير الطرق المذكورة في المصنفات ، وأما رواية الأصول المشهورة فلا يعتبر
فيها ذلك .
دراسات في علم الدراية — صفحة 84
مساهمون: علي أكبر الغفاري
ص٨٤