ومما ذكر ظهر أن كل حكم ثبت في الشرع بدليل قطعي أو ظني ثبتت
حجيته لا يجوز التوقف فيه لاحتمال كونه منسوخا ، والضرورة قاضية بأن الأصل
عدم النسخ ، وما ورد من أن في الأخبار ناسخا ومنسوخا مثل الكتاب فبعد كونه من
أخبار الآحاد لا يوجب لنا العلم بمدلوله كما لا يوجب الترديد والتشكيك في العمل
بالكتاب والسنة .
وكيف كان يعرف الناسخ بتنصيص الشارع صريحا كأن يقول : هذا ناسخ
لذلك ، أو بما يؤدي ذلك كما في قوله تعالى : " الآن خفف الله عنكم - الآية " أو كما في
قوله صلى الله عليه وآله : " كنت نهيتكم عن زيارة المقابر ألا فزوروها " . وإما بالعلم
بالمتأخر وإذا حصل التضاد ولم يعلم الناسخ فيجب التوقف .
وهل حكم النسخ يثبت بالنزول والصدور أو بالوصول ؟ اختلفوا فيه ، فبعضهم
قال بالأول ، وبعضهم قال بالثاني ، والثاني لا يخلو من وجه لأن النسخ تكليف ثان
وشرطه البلوغ إلى المكلف لاستحالة تكليف الجاهل .
سابعها معرفة كونه محمولا على التقية أم لا : فيقع الكلام فيه على أمورا : جوازها ،
وقوعها ، وموارد حمل الخبر عليها .
أما الجواز فعليه إجماع الفرقة ، ونقل عن المغرب جوازها عن الحسن البصري .
واستدل الأصحاب ببعض الآيات والروايات ، كقوله تعالى : " إلا من أكره وقلبه
مطمئن بالإيمان " في عمار بن ياسر حين أكرهه أهل مكة ، وقوله تعالى في ذيل الآية :
" أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا " . وبقول إبراهيم عليه السلام : " بل فعله
كبيرهم " وقوله : " إني سقيم " . وبما رواه مسلم في ج 8 ص 21 من صحيحه " أن
رجلا استأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : بئس أخو العشيرة ، فأذن له ،
فلما دخل عليه أقبل عليه صلى الله عليه وآله بوجهه وبشره يحدثه حتى فرغ وخرج من
عنده ، فقيل له : يا رسول الله أنت تذكر هذا الرجل بما ذكرته ، وأقبلت عليه بوجهك
وبشرك ؟ ! فقال عليه السلام : إن من شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه " .
وما رواه المعاني مسندا " عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : حديث تدريه
خير من ألف ترويه ، ولا يكون الرجل منكم فقيها حتى يعرف معاريض كلامنا ، وإن
دراسات في علم الدراية — صفحة 263
مساهمون: علي أكبر الغفاري
ص٢٦٣