خلال النضج الفكري الذي يتمتع به أكثر الشباب في هذا العصر العلمي ، ومن خلال حرية
الاعتقاد والفكر التي يقرها كل إنسان لنفسه ولغيره ، كل ذلك بعيدا عن العصبية ، والقبلية
والقومية ، وبعيدا عن المنهج الذي لا يعتمد على الدليل والحجة المقنعة في طرحه لما
يعرضه على الناس .
لقد كان هذا التحقيق مما لا بد منه ولا مفر ، إذ القضية ترتبط بالاعتقاد والمصير
الأبدي ، فلم يكن المجال ليسمح بالمساومة أو المماطلة أو الترضيات .
إن الدين الإسلامي لما كان هو نظام الحياة الذي يجب أن يؤسس كل مؤمن حياته
عليه ويبني عليه مصيرة ، كان لا بد أن يقوم اعتقاد كهذا على أساس يبعث اليقين
والطمأنينة . ولا يصح أن تنال المصائر بالظنون والتوهم ، أو تنال بالتقليد الأعمى الذي لا
يعرف صاحبه الدليل والحجة غير ما كان عليه الآباء والأولون ، فإذا سئل : لماذا أنت
مسلم ؟ فإنه لا يجيب إلا بالصمت والحيرة . وإذا قيل له : لماذا أنت شيعي أو سني أو
مالكي أو . . . ؟ تراه يخطرف ( 1 ) في الإجابة . كل ذلك لأنه لم يفكر في اعتقاده ومصيره من
قبل بحرية ، بل قام كل ما عنده من اعتقاد على التقليد الأبوي والاجتماعي ، فصار على
هذا مسلما : شيعيا أو سنيا .
ولما كان هذا الأمر خاصا للغاية بالفرد نفسه ، سواء في هذه الحياة أو في الحياة
الأخرى ، فمن الجهل أن يعارضه أحد فيما ذهب إليه واطمأنت له نفسه ، فلا يجوز إملاء
الاعتقاد أو إكراه الناس على نهج يسيرون عليه ، ولكن يجوز إقناعهم بالدليل والحجة
المقنعة بالروح العلمية الرياضية العصرية ، في إطار حرية الاعتقاد التي سار عليها دين
محمد ( ص ) في تعامله مع الفرق والأديان والاعتقادات المخالفة في كل زمان ومكان .
ولقد كنت أتعجب جدا من أولئك الذين عارضوني وخاصموني بشدة ، عندما
اخترت لنفسي مذهب أهل بيت النبي ( ص ) ، اطمئنانا مني لهذا المذهب الذي هو عندي
أكمل المذاهب وأفضلها بال منازع ، بل هو ما كان عليه النبي وأصحابه العدول . ويتعبد به
اليوم عدد كبير من أمة محمد ( ص ) في كثير من بلدان العالم الإسلامي .
هامش
( 1 ) تخطرف الشئ : جاوزه وتعداه . لسان العرب 9 : 79 .