تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البيان والتبيين — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
ولأن لا تعلم ولا تعمل خير من أن تعلم ولا تعمل ان الجاهل العامل لم يؤت من سوء نية ولا استخفاف بربوبية وليس كمن قهرته الحجة وأعرب له الحق مفصحا عن نفسه فآثر الغفلة والخسيس من الشهوة على الله تبارك وتعالى فأسمحت نفسه عن الجنة وأسلمها لأبد العقوبة فاستشر عقلك وراجع نفسك وأدرس نعم الله عليك وتذكر إحسانه إليك فإنه مجلبة للحياء ومردعة للشهوة ومشحذة على الطاعة فقد أظل البلاء أو كأن قد فكفكف عنك غرب شؤبوبه وجوائح سطواته بسرعة النزع وطول التضرع ثلاث هي أسرع في العقل من النار في يبيس العرفج إهمال الفكرة وطول التمني والاستغراب في الضحك ان الله لم يخلق النار عبثا ولا الجنة هملا ولا الانسان سدى فاعترف رق العبودية وعجز البشرية فكل زائد ناقص وكل قرين مفارق وكل غني محتاج وإن عصفت به الخيلاء وأبطره العجب وصال على الاقران فإنه مذال مدبر ومقهور ميسر ان جاع سخط المحنة وان شبع بطر النعمة ترضية اللمحة فيستشري مرحا وتغضبه الكلمة فيستطير شفقا حتى تنفسخ لذلك منته وتنتقض مريرته وتضطرب فريصته وتنتشر عليه حجته وللعجب من لبيب توبقه الحياطة ويسلم مع الإضاعة ويؤتى من الثقة ولا يشعر بالعاقبة ان أهمل عمي وان علم نسي كيف لم يتخذ الحق معقلا ينجيه والتوكل ذائدا يحميه أعمي عن الدلائل وعن وضوح الحجة أم آثر الخسيس على الأجل النفيس وكيف توجد هذه الصفة مع صحة العقيدة واعتدال الفطرة وكيف يشير رائد العقل بايثار القليل الفاني على الكثير الباقي وما أظن الذي أقعدك عن تناول الحظ مع قرب مجناه حتى صار لا يثنيك زجر الوعيد ولا يقدح في عزماتك فوت الجنة وحتى ثقلت على سمعك الموعظة ونأت عن قلبك العبرة إلا طول مجاورة التقصير واعتياد الراحة والأنس بالهوينا وإيثار الأخف وإلف قرين السوء فاذكر الموت وأدم الفكرة فيه فان من لم يعتبر بما رأى لا يعتبر بما لا يرى وإن كان ما يوجد بالعيان من مواقع العبرة لا يكشف لك عن قبيح ما أنت عليه وهجنة ما أصبحت فيه من إيثار باطلك على حق الله واختيار الوهن على القوة
البيان والتبيين — صفحة 379 | الجاحظ