لقد كان الخليفة يباري الريح في العطاء لحامّته ومن ازدلف إليه ممّن يجري مجراهم ، فملكوا من عطاياه وسماحه الملايين ، وليس فيهم من يبلغ شأو أبي ذرّ في السوابق والفضائل ، ولا يشقّ له غبارا في أكرومة ، فماذا الّذي أخّر أبا ذرّ عنهم حتّى قطعوا عنه عطاءه الجاري ، ومنعوه الحظوة بشيء من الدعة ، وأجفلوه عن عقر داره وجوار النبيّ الأعظم ، وضاقت عليه الأرض بما رحبت ؟ !
ولماذا نودي عليه في الشام أن لا يجالسه أحد « 1 » ؟ ! ولماذا يفرّ الناس منه في المدينة ؟ !
ولماذا حظر عثمان على الناس أن يقاعدوه ويكلّموه ؟ ! ولماذا يمنع الخليفة عن تشييعه ويأمر مروان أن لا يدع أحدا يكلّمه ؟ !
نعم ، إنّ أبا ذرّ ينقم ما كان مطّردا عند ذاك من السرف في العطاء من دون أيّ كفاءة في المعطى ، ومخالفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في ذلك وفي كلّ ما يخالف السنّة الشريفة ، واضطهاد أهل السوابق من الامّة بيد امراء البيت الامويّ رجال العيث والعبث ؛ وكانوا يحسبون عرش ذلك اليوم قد استقرّ على تلكم الأعمال ؛ فرأوا أنّ في الإصاخة إلى قيل أبي ذرّ وشاكلته من صلحاء الصحابة تزحزحا لذلك العرش عن مستقرّه ، أو أنّ مهملجة الجشع الّذين حصّلوا على تلكم الثروات الطائلة خافوه أن يسلب ما في أيديهم إن وعى واع إلى هتافه ، فتألّبوا عليه وأغروا خليفة الوقت به بتسويلات متنوّعة حتّى وقع ما وقع ، والخليفة أسير هوى قومه ، ومسيّر بشهواتهم ، مدفوع بحبّ بني أبيه وإن كانوا من الشجرة الملعونة في القرآن .
وما كان أبو ذرّ يمنعهم عن جلب الثروة من حقّها ، ولا يبغي سلب السلطة عمّن ملك شيئا ملكا مشروعا ، لكنّه كان ينقم أهل الأثرة على اغتصابهم
هامش
( 1 ) - أخرجه ابن سعد في الطبقات 4 : 168 [ 4 / 229 ] .