فهذا الرجل الدينيّ الّذي يحبّه اللّه ويأمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بحبّه كان ناقما على الخليفة واجدا على خلافته من أوّل يومه ، متلهّفا على استخلافه تلهّف من كأنّ الدنيا كانت له فسلبها ، وكان يثبّط الناس ويخذّلهم عنه ، ويرى امرته إمرا من الأمر « 1 » وإدّا ، يعتقدها ظلما على أهل بيت العصمة ، ويستنجد أعوانا يقاتل بهم مستخلفيه كقتاله إيّاهم يوم بدر . هذا رأيه في عثمان من يوم الشورى قبل بوائقه ، فكيف بعد ما شاهد منه من هنات وهنات ؟ !
- 8 - حديث حجر بن عدي الكوفي سلام اللّه عليه وعلى أصحابه
إنّ معاوية بن أبي سفيان لمّا ولّى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادي سنة ( 41 ) دعاه فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا بعد فإنّ لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا « 2 » ، وقد قال المتلمّس « 3 » :
هامش
( 1 ) - [ يقال : « أمر إمر » أي : عجب منكر ] .
( 2 ) - [ « القرع » : الضرب للتنبيه على شيء ، والمراد هنا أنّ الإنسان ينبّه صاحبه عند الخطأ .
و « ذي الحلم » أي : الحليم ، والإنسان ذي المعرفة وذات التمييز . ومعنى ذلك : أنّ الحليم إذا نبّه انتبه ، وأصل هذه العبارة أنّ عمرو بن جبعة الدوسي قضى على العرب ثلاثمائة سنة ، فلمّا كبر قال لواحد من ولد ولده : ربما تغيّر عليّ في اليوم مرارا فإذا رأيتني قد تغيّرت فاقرع العصا ، فكان إذا رأى منه تغيّرا قرع العصا فراجعه فهمه ؛ انظر الفروق اللغويّة ، أبو هلال العسكري / 200 ؛ صحاح اللغة 3 / 1261 ؛ لسان العرب 8 / 264 .
وقد تأتي هذه العبارة مع « ما » أو « لا » النافية كقوله : « فلان لا تقرع له العصا » ، وتستعمل فيمن يكون غنيّا عن التنبيه لخبرته وحكمته ؛ انظر فرائد الأدب في الأمثال والأقوال السائرة عند العرب ، المطبوع أواخر المنجد / 1005 ] .
( 3 ) - هو جرير بن عبد المسيح من بني ضبيعة ، توجد ترجمته في الشعر والشعراء لابن قتيبة : 52 [ ص 99 ] ، وفي المؤتلف والمختلف : 71 و 202 و 207 .