كانت لائمة معاوية للقوم مزيجها الملاينة لا عن حلم ، وخشونة لا يستمرّ عليها ، كلّ ذلك لم يكن لنصرة حقّ أو ابتغاء إصلاح ، وإنّما كان يكاشفهم جلبا لمرضاة الخليفة ، ويوادعهم لما كان يدور في خلده من هوى الخلافة غدا ، وكان يعرف القوم بالشدّة والمتبوعيّة ، فما كان يروقه قطع خطّ الرجعة بينه وبينهم متى تسنّى له الحصول على غايته المتوخّاة ، وكانت هذه الخواطر لا تبارحه ، ولا يزال هو يعدّ الدقائق والثواني للتوصّل إليها ، وكان أحبّ الأشياء إليه اكتساح العراقيل دونها ؛ ولذلك أطلق سراح القوم وتثبّط عن النهضة لنصرة عثمان لمّا استنصره - كما سيأتي تفصيله - حتّى قتل ومعاوية في الخاذلين له .
وأمّا ابن خالد فقد جرى مجرى أبيه في الفظاظة والغلظة ، فلم يعاملهم إلّا بالرعونة ولم يجاملهم إلّا بالقسوة ، وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح .
وهاهنا نوقفك على نبذ من أحوال من يهمّك الوقوف على حياته الثمينة من أولئك الرجال المنفيّين الأبرار ، حتّى تعلم أنّ ما تقوّلوه فيهم وفعلوه بهم في منتأى عنهم ، وإنّما كان ذلك ظلما وعدوانا ، وتعلم أنّ ابن حجر مائن فيما يصف به الأشتر من المروق « 1 » غير مصيب في قذفه ، متجانف للإثم في الدفاع عن عثمان بقوله : « إنّ المجتهد لا يعترض عليه في أموره الاجتهاديّة ، لكن أولئك الملاعين المعترضون لا فهم لهم بل ولا عقل » « 2 » .
1 - مالك بن الحارث الأشتر :
أدرك النبيّ الأعظم وقد أثنى عليه كلّ من ذكره ، ولم أجد أحدا يغمز فيه .
وثّقه العجلي « 3 » ، وذكره ابن حبّان في الثقات « 4 » . ولا يحمل عدم رواية أيّ إمام عنه على تضعيفه ؛ قال ابن حجر في تهذيب التهذيب « 5 » :
هامش
( 1 ) - راجع الصواعق : 68 [ ص 115 ] .
( 2 ) - راجع الصواعق : 68 [ ص 113 ] .
( 3 ) - تاريخ الثقات [ ص 417 ، رقم 1520 ] .
( 4 ) - الثقات [ 5 / 389 ] .
( 5 ) - تهذيب التهذيب 10 : 12 [ 10 / 11 ] .