عثمان : إنّك بعثت إليّ قوما أفسدوا مصرهم وأنغلوه ، ولا آمن أن يفسدوا طاعة من قبلي ويعلّموهم ما لا يحسنونه حتّى تعود سلامتهم غائلة ، واستقامتهم اعوجاجا .
فكتب إلى معاوية يأمره أن يسيّرهم إلى حمص ، ففعل وكان وإليها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة . ويقال : إنّ عثمان كتب في ردّهم إلى الكوفة فضجّ منهم سعيد ثانية فكتب في تسييرهم إلى حمص فنزلوا الساحل » « 1 » .
قال الأميني : كان في عظمة أكثر هؤلاء القوم وصلاحهم المتسالم عليه وتقواهم المعترف بها مرتدع من أذاهم وإجفالهم عن مستوى عزّهم وموطن إقامتهم وتسييرهم من منفى إلى منفى ، والإصاخة إلى سعاية ذلك الشابّ المستهتر ، واللّه سبحانه يقول :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
« 2 » .
وكان على الخليفة أن يبعث إليه باللائمة بل يعاقبه على ما فرّط في جنب أولياء اللّه بتسميته إيّاهم السفهاء وهم قرّاء المصر ، وزعماء الملأ ، ونسّاك القطر ، وفقهاء القارة ، وهم القدوة في التقوى والنسك ، وبهم الأسوة في الفقه والأخلاق ، ولم يكن عليهم إلّا عدم التنازل لميول ذلك الغلام الزائف ، وعدم مماشاتهم إيّاه على شهواته ومزاعمه .
وهلّا استشف الخليفة حقيقة ما شجر بينه وبين القوم حتّى يحكم فيه بالحقّ ، لكنّه بدل أن يتّخذ تلكم الطريقة المثلى في القضيّة استهواه ذلك الشابّ المترف فمال إليه بكلّه ، ونال من القوم ما نال ، وأوقع بهم ما حبّذه له الحبّ المعمي والمصمّ ، لكنّ الدين وملأه أنكرا ذلك عليه وحفظه التاريخ ممّا نقم به على عثمان .
هامش
( 1 ) - أنساب الأشراف 5 : 39 - 43 [ 6 / 151 - 156 ] .
( 2 ) - الحجرات : 6 .