لكنّه لم يصدر منه إلّا إرضاؤهم وتوفير العطاء لهم والدفاع عنهم ، وتسليطهم على النفوس والأموال حتّى أوردوه مورد الهلكة . ولقد ادّخر تأديبه كلّه لصلحاء الامّة مثل عمّار وأبي ذرّ وابن مسعود ومن حذا حذوهم ؛ فإلى اللّه المشتكى .
وإنّك لو أمعنت النظرة في أعماله وأفعاله لتجدنّه لا يقيم وزنا لأيّ صالح من الامّة ، ولقد ترقى ذلك أو تسافل حتّى إنّه جابه مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام غير مرّة بقوارص كلماته ، وممّا قال له ممّا مرّ « 1 » قوله : « أنت أحقّ بالنفي منه » . وقوله :
« لئن بقيت لا أعدم طاغيا يتّخذك سلّما وعضدا وكهفا وملجأ » ؛ يريد بالطاغي أبا ذرّ وعمّار وأمثالهما ، ويجعل الإمام عليه السّلام سلّما وعضدا وكهفا وملجأ لمن سمّاهم الطغاة .
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
« 2 » .
كأنّ الرجل لم يصاحب النبيّ الأعظم صلّى اللّه عليه وآله ، أولم يع إلى ما هتف به من فضائل مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام من أوّل يومه آناء الليل وأطراف النهار في حلّه ومرتحله ، في ظعنه وإقامته ، عند أفراد من أصحابه أو في محتشد منهم ، ولدى الحوادث والوقائع ، وعند كلّ مناسبة ، وفي حروبه ومغازيه .
وكأنّه لم يشهد بلاء مولانا الإمام عليه السّلام في مآزق الإسلام الحرجة ، ولم يشهد كرّاته وقد فرّ أصحابه ، وتفانيه في سبيل الدعوة عند خذلان غيره ، واقتحامه المهالك لصالح الإسلام حيث ركنوا إلى دعة ، وتقهقر بهم الفرق ، وثبّطهم الخول « 3 » .
يزعم القوم أنّ الخليفة كان حافظا للقرآن وأنّه كان يتلوه في ركعة في لياليه ؛ ولو صحّ ما يقولون فهلّا كان يمرّ بآية التطهير ومولانا الإمام عليه السّلام أحد الخمسة الّذين اريدوا بها ، وبآية المباهلة وهو نفس النبيّ فيها ، إلى آيات أخرى نازلة
هامش
( 1 ) - في ص 128 من كتابنا هذا .
( 2 ) - الكهف : 5 .
( 3 ) - [ لعلّه بمعنى التفرّق ، من : ذهب القوم أخول أخول ، إذا تفرّقوا شتّى ] .