وأطنب ( 1 ) في تقريظ معاوية بن يزيد عليهما اللعنة .
فصاح به عليّ بن الحسين ( عليهما السلام ) : " ويلك أيّها الخاطب ! اشتريت رضا المخلوق
بسخط الخالق ؟ فتبوّأ مقعدك من النّار " ، ثُمَّ قال : " يا يزيد ، ائذن لي حتّى أصعد
هذه الأعواد ( 2 ) ، فأتكلّم بكلمات فيهنّ لله رضاً ، ولهؤلاء الجلساء أجرٌ وثواب " .
فأبى يزيد . فقال النّاس : يا أمير المؤمنين ، ائذن له ليصعد ، فلعلّنا نسمع منه
شيئاً . فقال لهم : إن صعد المنبر هذا لم ينزلْ إلاّ بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان .
فقالوا : وما قَدْرُ ما يُحسن هذا ؟ فقال له : إنّه من أهل بيت قد زُقّوا ( 3 ) العلم زقّاً ،
ولم يزالوا به حتّى أذن له بالصعود .
فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثُمَّ خطب خطبة أبكى منها العيون ،
وأوجل منها القلوب ، فقال فيها :
أيها الناس ، أُعطينا ستّاً ، وفضّلنا بسبع ، أُعطينا العلم والحلم والسماحة ،
والفصاحة والشجاعة ، والمحبّة في قلوب المؤمنين ( 4 ) ، وفُضّلنا بأنَّ منّا النبي
المختار محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ، ومنّا الصّديق ، ومنّا الطيّار ، ومنّا أسد الله وأسد رسوله ، ومنّا
هامش
1 . أي أطال .
2 . عبّر الإمام ( عليه السلام ) بالأعواد ولم يقل بالمنبر ؛ لأنّ المنبر محل شريف ، ومكان رفيع ، لا يجلس عليه إلاّ أولياء الله ،
وعباده الصالحون ، لا أمثال يزيد ومعاوية - لعنهما الله - ، ومرتزقتهما المنبوذين ، ومن لفّ لفّهما .
3 . " زقّ الطير " : وضع الطعام في فمه . وهذا مثل قوله : " غرّ الطائر فرخه ، يغرّه غراراً " ، أي زقّه . وفي حديث
معاوية قال : " كان النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) يغرّ علياً العلم " ، أي يُلقمه إيّاه . وفي حديث علي ( عليه السلام ) : " مَن يُطع الله يَغُرّه ، كما يغرّ
الغراب بُجَّهُ " : أي فرخه .
وفي حديث ابن عمر ، وذكر الحسن والحسين ( عليه السلام ) فقال : " إنّما كانا يُغرّان العلم غَرّاً " ، و " الغرّ " : اسم ما زقّته به ،
وجمعه غرور . ( لسان العرب ، ص 18 ، ج 5 ، ط بيروت ) .
4 . إشارة إلى هذه الآية : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّاَلِحاَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) ( سورة مريم ، الآية
96 ) ، إنّها نزلت في الإمام عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) . قال السجستاني في غريب القرآن ، ص 255 ، ط مصر : قال
أبو عمرو : قال ابن عباس : نزلت في عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) - لمّا سُئل عن هذه الآية - وقال : ما من مسلم إلاّ
ولعليّ في قلبه محبة .