تقلّبني أيدي أحبّتي ، وارحمني مطروحاً على المغتسل ، يغسّلني صالح جيرتي ،
وارحمني محمولاً قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي ، وارحم في ذلك البيت
المظلم وحشتي وغربتي ووحدتي .
قال طاووس ( 1 ) : فبكيت حتّى علا نحيبي ، فالتفت إليَّ وقال : ما يبكيك
يا يمانيّ ؟ أوليس هذا مقام المذنبين ؟ فقلت : حبيبي ، حقيقٌ على الله أن
لا يُردّك وجدّك محمّد ( صلى الله عليه وآله ) .
قال : فبينا نحن كذلك ، إذ أقبل نفر من أصحابه ، فالتفت إليهم فقال : معاشر
أصحابي ، أوصيكم بالآخرة ، ولستُ أوصيكم بالدنيا ، فإنّكم بها مستوصون ،
وعليها حريصون ، وبها مستمسكون ، معاشر أصحابي ! إنّ الدنيا دار ممرّ ،
والآخرة دار مقرّ ، فخذوا من ممرّكم لمقرّكم ، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى
عليه أسراركم ، واخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ، أما رأيتم
وسمعتم ما استدرج به من كان قبلكم من الأُمم السالفة والقرون الماضية ،
ألم تروا كيف فضح مستورهم ، وأمطر مواطر الهوان عليهم بتبديل سرورهم بعد
خفض عيشهم ، ولين رفاهيّتهم ، صاروا حصائد النقم ، وَمَدارج المَثُلات ( 2 ) ، أقول
قولي هذا ، وأستغفر الله لي ولكم . ( 3 )
هامش
1 . طاووس بن كيسان ، أبو عبد الرحمن الهمداني اليماني ، أحد أعلام التابعين ، سمع أبا هريرة وابن عبّاس ، وروى
عنه مجاهد ، وعمرو بن دينار ، توفي سنة 106 ق . وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام السجاد ( عليه السلام ) .
وفي قاموس الرجال ، التستري ، ج 5 ، ص 156 : روى الحلية مسنداً عنه ، عن بريدة ، عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قال : مَن كنتُ
مولاه ، فعليٌّ مولاه . قال ابن قتيبة والطبري : طاووس شيعي ، وقد عرفت في المقدمة ، أنّه أعم من الإمامي ،
وإنّما المساوق للإمامي عندهم الرافضي والشيعي الغالي .
2 . " المثلة " - بفتح وضمّ - : العقوبة والتنكيل ، جمع مثلات .
3 . الأمالي ، الصدوق ، ص 288 ؛ روضة الواعظين ، ص 198 ؛ المزار ، الشهيد ، ص 267 ؛ مستدرك الوسائل ، ج 3 ،
ص 442 ؛ رواه عن الأمالي في بحار الأنوار ، ج 778 ، ص 146 .