فعند ذلك قال رسول الله " صلى الله عليه وآله " : اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد .
وليست مستغربة شدة علاقة بلال بمكة ، فهي تعني له الكثير الكثير ، وتربطه بها روابط العقيدة والقدسية وفيها نشأ وترعرع .
هناك تفتحت عيناه على حبيبه محمد " صلى الله عليه وآله " ، فألقى رحال قلبه في واحة الإيمان ، وإن أحرقت صدره لظى الصحراء ، ووشمته الحجارة الملتهبة بمياسمها .
في ( مكة ) عرف بلال نفسه ، وتنشق مع نسيمها كيانه ووجوده .
ومع صرخة محمد " صلى الله عليه وآله " المدوية : ( لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى ) كبر بلال ، كبرت إرادته وشعر ذلك العبد المهان الذي لا قيمة له لدى الإنسان الجاهلي ببعده الإنساني ، وحيزه الوجودي الخاص .
وها هو اليوم قد أبعد عنها : فلما ذا لا يحرقه الحنين ، ولا يشعر بالغضب ؟ !
وكيف لا تستيقظ فيه ذكريات الوطن التي هي قطعة من كل إنسان ، وتتحرك في صدره وهو داخل موطنه ، فكيف إذا كان منفيا ، مبعدا ، مضطهدا ؟ !
ولماذا لا يلعن عتبة وأمية ، وهما اللذان يشكلان لوحة معاناة ( بلال ) وتلك الحقبة من العذاب والألم ؟ !
إن بلالا يعبر بمعاناته عن معاناة أولئك ، ولعله أثار أشجان نبيه " صلى
هذا هو بلال — صفحة 118
مساهمون: الشيخ نبيل قاووق
ص١١٨