رقبة الأرض ، أو بظلم لمزارعه وأكرته ، لان الله يقول : " فبظلم من الذين هادوا حرمنا
عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا " يعني لحوم الإبل والبقر والغنم ،
هكذا أنزلها الله فاقرؤوها هكذا ، وما كان الله ليحل شيئا في كتابه ثم يحرمه بعد ما
أحله ، ولا يحرم شيئا ثم يحله بعد ما حرمه ، قلت : وكذلك أيضا : " ومن الإبل
والبقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما " ؟ قال : نعم ، قلت : فقوله : " إلا ما حرم إسرائيل
على نفسه " ؟ قال : إن إسرائيل كان إذا أكل من لحم الإبل يهيج عليه وجع الخاصرة
فحرم على نفسه لحم الإبل ، وذلك من قبل أن تنزل التوراة ، فلما نزلت التوراة
لم يحرمه ولم يأكله ( 1 ) .
بيان : أقول : رواه العياشي ، عن ابن أبي يعفور ، وساقه إلى قوله : يعني لحوم
الإبل والبقر والغنم ، وقال : إن إسرائيل كان إذا أكل من لحم البقر ، إلى آخر الخبر .
ولعله إنما أسقط الزوائد لاعضالها وعدم استقامة معناها بلا تكلف ، والذي سنح لي
في حله أنه عليه السلام قرأ : " حرمنا عليهم " بالتخفيف ، أي جعلناهم محرومين من تلك
الطيبات ، وإنما عدي بعلى بتضمين معنى السخط ونحوه ، والحاصل أنهم لما ظلموا
أنفسم بارتكاب المحرمات سلبنا عنهم اللطف والتوفيق حتى ابتدعوا وحرموا
الطيبات على أنفسهم .
ثم استدل عليه السلام على أن هذه القراءة أولى وهذا المعنى أحرى بأن ظلم اليهود
كان بعد موسى على نبينا وآله وعليه السلام ، ولم ينسخ التوراة كتاب بعده سوى
الإنجيل ، واليهود لم يعملوا بحكم الإنجيل ، فتعين أن يكون التحريم من قبل أنفسهم
فقوله ثم يحرمه بعد ما أحله أي في غير هذا الكتاب وبعد ذهاب النبي الذي نزل عليه
الكتاب ، فلا ينافي نسخ الكتاب بالكتاب وبالسنة ، ثم سأل السائل عن قوله :
" حرمنا عليهم شحومهما " فقال عليه السلام : هنا أيضا كذلك بالتخفيف بهذا المعنى ، وأما
قوله تعالى : " إلا ما حرم إسرائيل على نفسه " فهو بالتشديد لأنه مصرح بأنه إنما
حرم على نفسه بفعله ولم يحرمه الله عليه ، ويحتمل على بعد أن يكون المعنى أنه عليه السلام
هامش
( 1 ) تفسير القمي : 146 - 147 .