وقد بقي أكثر ( 1 ) .
52 - البصائر : لسعد بن عبد الله ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب
والحسن بن موسى الخشاب ومحمد بن عيسى ، عن علي بن أسباط ، عن يونس بن
عبد الرحمن ، عن عبد الصمد بن بشير ، عن عثمان بن زياد أنه دخل على أبي
عبد الله عليه السلام فقال له رجل : إني سألت أباك عن الوضوء فقال : مرة مرة ، فما
تقول ؟ فقال : إنك لن تسألني عن هذه المسألة إلا وأنت ترى أني أخالف أبي توضأ
ثلاثا وخلل أصابعك ( 2 ) .
هامش
( 1 ) كتاب الطرف : 13 .
( 2 ) بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله الأشعري : 94 .
أقول : اختلف الأحاديث وهكذا كلمات الأصحاب في أن الوضوء مرة مرة حد محدود
لا يجوز التعدي عنه كما عرفت من الصدوق أو المرة فرض والثانية سنة ، والثالثة بدعة
محرمة ، كما هو المشهور بين الأصحاب ، أو المرة فرض والاثنتان بعدها سنة ومن زاد على
ذلك فقد أساء وتعدى وظلم كما رواه النسائي وابن ماجة وابن داود بمعناه ، وعليه فتوى
الجمهور ؟ .
أما قول الجمهور ، فلعلهم نظروا إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله حيث كان
يبالغ في الامتثال ويأخذ بالحائطة لدينه ، وكلما فرض الله عز وجل شيئا وأطلقه ، زاد
رسول الله صلى الله عليه وآله فيه مرتين ، فرض الله عز وجل ركعات الفرض وسن رسول الله صلى الله عليه وآله ضعفيه
فرض الله عز وجل صيام شهر رمضان وسن رسول الله صلى الله عليه وآله ضعفيه ، فرض الله عز وجل
صلاة الجمعة بكيفية مخصوصة ، وزاد رسول الله ضعفيه في العيدين ، أمر الله عز وجل بقوله
" سبح اسم ربك الاعلى " فجعله رسول الله في السجدة وزاد عليه مرتين وهكذا في ذكر الركوع
وغيره إلى ما شاء الله .
فرض الله عز وجل عليه اجتناب الرجز - رجز الشيطان - فقال " والرجز فاهجر " وبالغ
رسول الله في امتثاله فغسل يديه ثلاثا وتمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وقال فان الشيطان يبيت
على خيشوم النائم ، وهكذا السنة في الاستنجاء والغسل من الخبث ، والغسل من الجنابة
والحيض والنفاس والوضوء من الغمر وغير ذلك .
لكن الحق أن هذه السنة ما كانت لتجرى في الوضوء ، لأنها تجرى في الأوامر
المطلقة التي لم تبين كيفيتها في ضمن الامر بها ، كما في قوله تعالى : " والرجز فاهجر "
وقوله عز وجل : " وان كنتم جنبا فاطهروا " وأما في الوضوء وقد بين كيفيته بصريح القرآن
العزيز غسل فغسل ثم مسح فمسح فالظاهر بل المعلوم قطعا أن هذه الكيفية بترتيبها وموالاتها
غسل الوجه وبعده غسل اليدين ثم مسح الرأس والرجلين معتبرة في حد نفسها ، ولذلك
وجب الترتيب والموالاة .
ولو قلنا إن الآية ليست بصدد بيان الكيفية وأنها أو امر أربعة غسل وغسل ومسح
ومسح منفردا منعزلا بعضها عن بعض لما وجب الترتيب ولا الموالاة ، ولما عرف صدر الاسلام
وبعده إلى الان بعنوان الوضوء ، أمرا واحدا ذا أجزاء .
وهكذا الامر في التيمم وهو أمر واحد ذو أجزاء من ضرب اليدين بالتراب ومسح
الوجه واليدين كما سيجئ تفصيله في محله ، لكن مسألة التيمم غير خلافية بحمد الله ، ولم
يقولوا فيه بالمسح ثلاث مرات ، كما لم يقولوا في مسح الوضوء !
فإذا ثبت أن الوضوء معلوم كيفيته بالقرآن العزيز كانت الكيفية محدودة متبعة لا يجوز
لاحد أن يتجاوزها " ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون " .
وأما الأحاديث الواردة من طرق أهل السنة ، فالذي رواه ابن عباس قال :
توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله مرة مرة لم يزد على هذا ، رواه البخاري على ما في مشكاة المصابيح
ص 46 ، فهو المتبع ، لأنه حبر الأمة يعرف من القرآن مالا يعرفه الآخرون ، ولا يحابى
عن عثمان حيث كان يتوضأ ثلاثا ثلاثا ويقول : هذا وضوء رسول الله ! .
وأما الأحاديث الواردة من طرق أهل البيت فمن بين مصرح أن رسول الله صلى الله عليه وآله
وهكذا وصيه على أمير المؤمنين عليه السلام كان يتوضأ مرة مرة ، وبين ظاهر هو كالصريح أن
وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله كانت مرة مرة كما هو قضية الوضوءات البيانية .
فلا مخالفة بين السنة المقطوعة من طرق الفريقين وبين مفاد القرآن العزيز ، وهو
أن الوضوء إنما هو مرة مرة ، ولكن لا يذهب عليك أن ذلك بعد غسل اليدين قبل الوضوء
كما عرفت وجه ذلك في ص 146 .
نعم في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يتوضأ مرتين مرتين وسيجئ نقلها
في الذيل ، لكنها محمولة على التقية أيضا لما روى عن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وآله توضأ مرتين
مرتين رواه البخاري كما في المشكاة ص 46 .
وقد كان عبد الله بن زيد بن عاصم راوية لوضوء رسول الله صلى الله عليه وآله حاكية له ، قيل له :
كيف كان رسول الله يتوضأ ؟ فدعا بوضوء فأفرغ على يديه ، فغسل يديه مرتين مرتين ، ثم
مضمض واستنثر ثلاثا ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين ثم
مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر : بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى
رجع إلى المكان الذي بدأ منه ، ثم غسل رجليه ، رواه مالك والنسائي .
وكيف كان ، لو لم يثبت الا هذا الحديث من البصائر وما يشبهه من الأحاديث التي تدير
الامر بين الوضوء مرة مرة ، أو التقية والوضوء ثلاثا ثلاثا لكفى من حيث الانتهاض لنفى الوضوء
مرتين مرتين كما لا يخفى .