ترتيلا ، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلعت نفوسهم إليها
شوقا وهلعا ( 1 ) وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها بمسامع قلوبهم ، ومثلوا
زفير جهنم في آذانهم ، فهم مفترشون جباههم وركبهم وأطراف أقدامهم يجأرون إلى
الله في فك رقابهم .
وأما النهار فعلماء حلماء بررة أتقياء ، قد براهم الخوف بري القداح ، ينظر
إليهم الناظر فحسبهم مرضى وما بالقوم مرض ، ويقول : قد خولطوا ، ولقد خالطهم أمر عظيم
لا يرضون في أعمالهم بالقليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متهون ، ومن
أعمالهم مشفقون ، إذا زكى أحدهم خاف أشد الخوف يقول : أنا أعلم بنفسي من
غيري اللهم فلا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل مما يظنون ، واغفر لي مالا
يعلمون ، ومن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين ، وورعا في يقين ، وحزما في
علم ، وعزما في حلم ، وقصدا في غنا ، وخشوعا في عبادة ، وتجملا في فاقة ، وصبرا
في شدة ، وطلبا للحلال ، وتحرجا عن الطمع . يعمل الأعمال الصالحة على وجل
ويجتهد في إصلاح ذات البين ، يمسي وهمه الشكر ، ويصبح وشغله الفكر ، الخير منه
مأمول ، والشر منه مأمون ، ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ، ويصل من قطعه وفي الزلازل
صبور ، وفي المكاره وقور ، وفي الرضا شكور ، لا ينابز بالألقاب [ ولا يعرف العاب ] ولا
يؤذي الجار ، ولا يشمت بالمصائب ، ولا يدخل في الباطل ، ولا يخرج من الحق
إن بغي عليه صبر ليكون الله تعالى هو المنتقم له ، نفسه منه في عناء والناس منه في
راحة ، أتعب نفسه لأخراه وزهد في الفاني شوقا إلى مولاه .
43 - قال عليه السلام في صفة الفقيه قال أبو نعيم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو جعفر محمد
ابن إبراهيم بن الحكم ، عن يعقوب ، عن إبراهيم الدورقي ، عن شجاع بن الوليد
عن زياد بن خيثمة ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن أمير المؤمنين - كرم
الله وجهه - قال : ألا إن الفقيه كل الفقيه هو الذي لم يقنط الناس من رحمة الله تعالى
ولا يؤمنهم من عذابه . ولا يرخص لهم في معصيته ، ولا يدع القرآن رغبة في غيره
هامش
( 1 ) الهلع - بكسر اللام - : الحزين .