تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
بالكسر أن يخالط الرجل في عقله وقد خولط ، وفي النهاية فيه ظن الناس أن قد خولطوا وما خولطوا ، ولكن خالط قلبهم هم عظيم ، يقال : خولط فلان في قلبه إذا اختل عقله ، فقوله : خولط بهذا المعنى وخالط بمعنى الممازجة ، وهذا أعلا درجات المحبين ، حيث استقر حب الله تعالى في قلوبهم ، وأخرج حب كل شئ غيره منها ، فلا يلتفتون إلى غيره تعالى ، ويتركون معاشرة عامة الخلق لمباينة طوره أطوارهم ، فهم يعدونه سفيها مخالطا كما نسبوا الأنبياء عليهم السلام إلى الجنون لذلك . " إن القلب إذا صفا " اي أن القلب اي الروح الانساني لما كان من عالم الملكوت ، وإنما اهبط إلى هذا العالم الأدنى أو ابتلي بالتعلق بالبدن لتحصيل الكمالات ، وحيازة السعادات - كما أن الثوب قد يلوث ببعض الكثافات ليصير بعد الغسل أشد بياضا وأصفى مما كان - فإذا اختار الشقاوة وتشبث بهذه العلايق الجسمانية والشهوات الظلمانية ، لحق بالانعام ، بل هو أضل سبيلا ، وإن تمسك بعروة الشريعة الحقة ، وعمل بالنواميس الإلهية ، والرياضات البدنية ، حتى انفتح له عين اليقين ، فنظر إلى الدنيا ولذاتها بتلك العين الصحيحة ، رآها ضيقة مظلمة فانية موحشة غدارة غرارة ملوثة بأنواع النجاسات المعنوية ، والصفات الدنية استوحش منها وتذكر عالمه الأصلي فرغب إليها ، وتعلق بها فجانب المتعلقين بهذا العالم ، وآنس بالمتعلقين بالملاء الاعلى ، فلحق بهم ، وضاقت به الأرض ، وصارت همته رفيعة عالية ، فلم يرض إلا بالصعود إلى سدرة المنتهى ، وجنة المأوى ، فهم مع كونهم بين الخلق أرواحهم معلقة بالملاء الاعلى ، ويستسعدون بقرب المولى . أو يقال : لما كانت الأرض أعظم اجزاء الانسان ، وكانت قواه الظاهرة والباطنة مائلة إليها بالطبع ، لكمال النسبة بينهما كانت الدواعي إلى زهراتها حاضرة والبواعث إلى لذاتها ظاهرة ، فربما اشتغل بها واكتسب الأخلاق والأعمال الفاسدة لتحصيل المقاصد ، حتى تصير النفس تابعة لها ، راضية بأثرها ، مشعوفة بعملها متكدرة بالشهوات ، منغمسة في اللذات ، فتحجب الاستقرار في الأرض ، وتركن
بحار الأنوار — صفحة 58 | العلامة المجلسي / السيد إبراهيم الميانجي / محمد الباقر البهبودي