يا زرارة بقول الله أقول : يقول الله تعالى ، " لم يدخلوها وهم يطمعون " ( 1 ) لو
كانوا مؤمنين لدخلوا الجنة ، ولو كانوا كافرين لدخلوا النار .
قال : فماذا ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام : أرجأهم حيث أرجأهم الله أما إنك لو
بقيت لرجعت عن هذا الكلام ، وتحللت عنك عقدك .
قال : فأصحاب زرارة يقولون : لرجعت عن هذا الكلام وتحللت عنك عقد
الايمان ( 2 ) .
هامش
( 1 ) الأعراف : 26 .
( 2 ) قال في القاموس : تحلل في يمينه : استثنى ، وحل العقدة : نقضها فانحلت
وقال : عقد الحبل والبيع والعهد يعقده : شده ، والعقد ، الضمان والعهد ، والعقد - بالكسر
- القلادة ، والعقدة - بالضم - الولاية على البلد ، والجمع كصرد - إلى أن قال : وتحللت
عقده : سكن غضبه ، فإذا عرفت هذا فهذا الكلام يحتمل وجوها :
الأول : أن يكون العقد بضم العين وفتح القاف جمع العقدة بالضم ، والمراد انك
ان كبر سنك رجعت عن هذا المذهب الباطل الذي استقر في نفسك ، وانحلت عنك العقد
التي في قلبك من الشكوك والشبهات في ذلك :
استعار العقد للشبهات وهي شايعة في المحاورات بين الناس وهذا أظهر الوجوه ،
ومن قرء " تحللت " بصيغة المتكلم فهو تصحيف ، إذ لم أجده في اللغة متعديا .
الثاني أن يكون المراد بتحلل العقد سكون غضبه على المخالفين كما مر عن القاموس .
الثالث هذا الذي ذكره الكشي حيث قال : وأصحاب زرارة يقولون الخ ولعل المراد
بأصحاب زرارة القائلون بهذا القول الذي كان زرارة عليه ، أولا ، فإنهم لما لم يرجعوا عن
هذا القول ظنوا أن الإمام عليه السلام كان يصوب رأي زرارة باطنا ويتكلم معه ظاهرا للتقية ، فأخبر
بأنه يرجع بعد كبره عن هذا القول ، ويرجع بذلك عن الايمان ، أو يضعف ايمانه ، ولا
يخفى ركاكة هذا التأويل ، الا أن يكون مرادهم تحلل العقد في مسألة الايمان ، فيرجع
إلى ما ذكرنا أولا .
الرابع ما قيل : إن المعنى رجعت عن هذا القول الباطل وتحللت عنك هذه القلادة
أو هذا الرأي .
الخامس : أي رجعت عن دين الحق وتحللت عنك هذا العهد والبيعة .
وأقول : لا يخفى اشتمال هذا الخبر على قدح عظيم لزرارة ، ولم يجعله وأمثاله
الأصحاب قادحة فيه ، لاجماع العصابة على عدالته وجلالته وفضله وثقته ، وورد الأخبار الكثيرة
في فضله وعلو شأنه .
والحق أن علو شأن هؤلاء الاجلاء ، وكثرة حاسديهم صار سببا للقدح فيهم وأيضا
قدحوا في هذه الرواية ( يعني رواية الكافي عن علي ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس ، عن
رجل ، عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام : بالارسال وبمحمد بن عيسى اليقطيني
وإن كان له مدح وتوثيق من بعض الأصحاب فإنه جزم السيد الجليل ابن طاوس بضعفه والصدوق
محمد بن بابويه وشيخه ابن الوليد .
وقال الشهيد الثاني قده : قد ظهر اشتراك جميع الأخبار القادحة في استنادها إلى
محمد بن عيسى وهو قرينة عظيمة على ميل وانحراف منه عن زرارة ، مضافا إلى ضعفه في
نفسه ، منه رحمه الله في شرح الكافي .
وأقول : هذه الرواية من الكشي وان لم يكن في طريقه محمد بن عيسى اليقطيني
ولكنه ضعيف بأحمد بن هلال ، ولكن الحديث له طريق آخر في الكافي باب أصحاب
الأعراف وهو محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن فضال ، عن ابن بكير ، عن
زرارة ، فالحديث موثق بهذا السند كما اعترف به العلامة المؤلف في شرح الكافي ج 2
ص 396 حيث قال : موثق كالصحيح .
فالحق أن يقال : هذه المباحثة والمجادلة كان من زرارة في شبابه كما قال عليه السلام " فكيف
تصبر وأنت شاب " وليس بلازم أن نقول بجلالة قدره ومعرفته الكاملة في شبابه ، بل هو كلما طعن
في السن صارت معرفته كاملة حتى بلغ ما بلغ .