أتى بعده بصفات ونعوت لا يكون إلا للقرآن ، ولا ريب في اتحاد حجج الاسلام
والقرآن ، ولا يبعد أن يكون القرآن في جملة كلام حذف السيد رضي الله عنه على
عادته في الالتقاط والاختصار ، وفي بعض النسخ " عزائمه " مكان " غرائبه " أي آياته
المحكمة ، وبراهينه العازمة ، أي القاطعة ، وعدم فناء العزائم أو الغرائب إما ثباتها
واستقرارها على طول المدة وتغير الاعصار ، أو كثرتها عند البحث والتفتيش
عنها ، وعدم انقضاء العجائب هو أنه كلما تأمل فيه الانسان استخرج لطائف معجبة
والمرابيع أمطار أول الربيع تحيى بها الأرض ، وتنبت الكلاء ، وفي بعض النسخ
" بمفاتيحه وبمصابيحه " مع الياء وفي بعضها بدونها .
وحميت المكان من الناس كرميت أي منعته منهم ، والحماية اسم منه وكلاء
حمي كرضي أي محمي وأحميت المكان جعلته حمى لا يقرب منه ولا يجترء عليه
والرعي بالكسر الكلاء ، وبالفتح المصدر والمرعى الرعي والمصدر والموضع ، قيل :
أحمى حماه أي جعله الله عرضة لان يحمى كما تقول أقتلت الرجل أي جعلته عرضة
لان يقتل ، أي قد عرض الله حمى القرآن ومحارمه لان يجتنب ، وعرض مرعاه لان
يرعى ، أي مكن من الانتفاع بمواعظه وزواجره لأنه خاطبنا بلسان عربي مبين
ولم يقنع ببيان ما لم يعلم إلا بالشرع حتى نبه في أكثره على أدلة العقل .
وقيل : استعار لفظ الحمى لحفظه وتدبره والعمل بقوانينه ، ووجه الاستعارة
أن بذلك يكون حفظ الشخص وحراسته أما في الدنيا فمن أيدي كثير من الظالمين
لاحترامهم حملة القرآن ومفسريه ومن يتعلق به ، وأما في الآخرة فلحمايته حفظته
ومتدبريه والعامل به من عذاب الله كما يحمي الحمى من يلوذ به وقيل : أراد
بحماه محارمه أي منع بنواهيه وزواجره أن يستباح محارمه .
" وأرعى مرعاه " أي هيأه لان يرعى ، واستعار لفظ المرعى للعلوم والحكم
والآداب التي يشتمل عليها القرآن ووجه المشابهة أن هذه مراعي النفوس وغذاؤها
الذي به يكون نشوها العقلي ، وتمامها الفعلي كما أن النبات والعشب غذاء للأبدان
الحيوانية الذي يقوم بها وجودها .
بحار الأنوار — صفحة 375
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٣٧٥