" إنه لكم عدو مبين " تعليل للمنع عن عبادته بالطاعة فيما يحملهم عليه " وأن
اعبدوني " عطف على أن لا تعبدوا " هذا صراط مستقيم " إشارة إلى ما عهد إليهم ، أو
إلى عبادته بالطاعة فيما يحملهم عليه ، والجملة استيناف لبيان المقتضي للعهد " ولقد
أضل منكم جبلا كثيرا " رجوع إلى بيان معاداة الشيطان مع ظهور عداوته ووضوح
إضلاله لمن له أدنى عقل ورأي ، والجبل : الخلق ( 1 ) .
قوله سبحانه : " وحفظا من كل شيطان مارد " قال البيضاوي : " حفظا " منصوب
باضمار فعله أو العطف على زينة باعتبار المعنى ، كأنه قال : إنا خلقنا الكواكب زينة
للسماء وحفظا من كل شيطان مارد ، خارج عن الطاعة برمي الشهب ( 2 ) .
قال الرازي : قال ابن عباس : يريد حفظ السماء بالكواكب ( 3 ) من كل
شيطان تمرد على الله ، قال المفسرون : الشياطين يصعدون ( 4 ) إلى قرب السماء فربما
سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب ، وكانوا يخبرون به ضعفاءهم
ويوهمونهم أنهم يعلمون الغيب ، فمنعهم الله تعالى عن الصعود إلى قرب السماء بهذه
الشهب ، فإنه تعالى يرميهم بها فيحرقهم بها .
وبقي ههنا سؤالات :
الأول هذه الشهب هل هي من الكواكب التي زين الله السماء بها أم لا ؟
والأول باطل لأن هذه الشهب تبطل وتضمحل ، فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب
الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء ، ومعلوم أن هذا المعنى
لم يوجد البتة ، وأيضا فجعلها رجوما للشياطين مما يوجب النقصان في زينة السماء
فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض .
وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : هذه الشهب جنس آخر غير الكواكب المركوزة
هامش
( 1 ) أخذه من أنوار التنزيل 2 : 315 .
( 2 ) أنوار التنزيل : 2 : 320 .
( 3 ) إلى هنا انتهى كلام ابن عباس .
( 4 ) في المصدر : الشياطين كانوا يصعدون .