المتفجع اقعد في حفرته نجيا لبهتة السؤال وعثرة الامتحان ، وأعظم ما هنالك بلية
نزل الحميم ، وتصلية الجحيم ، وفورات السعير ، لا فترة مريحة ، ولا دعة مزيحة ،
ولا قوة حاجزة ، ولا موتة ناجزة ، ولا سنة مسلية بين أطوار الموتات وعذاب
الساعات . ( 1 )
بيان : بهته : أخذه بغتة ، وبهت أي دهش وتحير . وفورة الحر : شدته .
70 - نهج البلاغة : قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة : وبادروا الموت في غمراته ، وامهدوا
له قبل حلوله ، وأعدوا له قبل نزوله ، فإن الغاية القيامة وكفى بذلك واعظا لمن عقل ،
ومعتبرا لمن جهل ، وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس ، وشدة الابلاس ،
وهول المطلع ، وروعات الفزع ، واختلاف الأضلاع ، واستكاك الاسماع ، وظلمة اللحد ،
وخيفة الوعد ، وغم الضريح ، وردم الصفيح .
بيان : الأرماس جمع الرمس وهو القبر ، والابلاس : اليأس والانكسار والحزن .
وقال الجزري ، المطلع : مكان الاطلاع من الموضع العالي ، ومنه الحديث : لافتديت
من هول المطلع أي الموقف يوم القيامة ، أو ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت ،
فشبهه بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال . واختلاف الأضلاع : كناية عن ضغطة
القبر ، إذ يحصل بسببها تداخل الأضلاع واختلافها . والضريح : الشق في وسط القبر ،
واللحد في الجانب . والصفيح : الحجر ، والمراد بردمه هنا سد القبر به .
71 - دعوات الراوندي : قال أبو جعفر عليه السلام : من أتم ركوعه لم يدخله
وحشة القبر .
هامش
( 1 ) الفترة : السكون ، أي لا يفتر العذاب حتى يستريح من الألم . والدعة : الراحة وخفض
العيش ، والمزيح : المزيل ، أي لا تكون له راحة تزيل ما أصابه من تعب العذاب وألمه . والحاجز :
المانع . والناجز : الحاضر ، أي لا تكون له موتة حاضرة تذهب باحساسه عن الشعور بتلك الآلام .
والسنة بالكسر والتخفيف : فتور يتقدم النوم . والمسلية : المذهلة والملهية عن العذاب والآلام .
وأطوار الموتات : أنواعها وألوانها ، وكل نوبة من نوب العذاب كأنها موت لشدتها . أشار
عليه السلام بهذه الجملات إلى شدة العذاب والخلود فهي ، كقوله تعالى : " إن المجرمين في عذاب جهنم
خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون " وفى قوله : ولا موتة ناجزة ، إشارة إلى عدم الفناء .