ومن أيها شاء أقل ، ومن أيها شاء عدل ، ويعلم كل خلق منها إذا علا عليه بأي شئ
يمزجه ويقومه ، فأخلاقه كلها معتدلة كما يجب أن يكون .
فمن التراب قسوته وبخله وحصره وفظاظته وبرمه وشحه وبأسه وقنوطه وعزمه
وإصراره ، ومن الماء كرمه ومعروفه ( 1 ) وتوسعه وسهولته وتوسله ( 2 ) وقربه وقبوله
ورجاؤه واستبشاره . فإذا خاف ذو العقل أن يغلب عليه أخلاق التراب ويميل به ألزم كل
خلق منها خلقا من أخلاق الماء يمزجه به بلينه : يلزم القسوة اللين ، والحصر التوسع ،
والبخل العطاء ، والفظاظة الكرم ، والبرم الترسل ، ( 3 ) والشح السماح ، واليأس
الرجاء والقنوط الاستبشار ، والعزم القبول ، والاصرار القرب .
ثم من النفس حدته وخفته وشهوته ولهوه ولعبه وضحكه وسفهه وخداعه وعنفه
وخوفه ، ومن الروح حلمه ووقاره وعفافه وحياؤه وبهاؤه وفهمه وكرمه وصدقه ورفقه وكبره .
وإذا خاف ذو العقل أن تغلب عليه أخلاق النفس وتميل به ألزم كل خلق منها خلقا من
أخلاق الروح يقومه به : يلزم الحدة الحلم ، والخفة الوقار ، والشهوة العفاف ، واللعب
الحياء ، والضحك الفهم ، والسفه الكرم ، والخداع الصدق ، والعنف الرفق ، والخوف
الصبر .
ثم بالنفس سمع ابن آدم وأبصر ، وأكل وشرب ، وقام وقعد ، وضحك وبكى ،
وفرح وحزن ، وبالروح عرف الحق من الباطل ، والرشد من الغي ، والصواب من الخطاء ،
وبه علم وتعلم وحكم وعقل واستحيى وتكرم وتفقه وتفهم وتحذر وتقدم . ثم يقرن
إلى أخلاقه عشرة خصال أخرى : الايمان ، والحلم ، والعقل ، والعلم ، والعمل ، واللين ،
والورع ، والصدق ، والصبر ، والرفق . ففي هذه الأخلاق العشر جميع الدين كله . ولكل
خلق منها عدو : فعدو الايمان الكفر ، وعدو الحلم الحمق ، وعدو العقل الغي ،
وعدو العلم الجهل ، وعدو العمل الكسل ، وعدو اللين العجلة ، وعدو الورع الفجور ،
هامش
( 1 ) معرفته ( خ ) .
( 2 ) ترسله " ظ " .
( 3 ) التوسل " ظ " .