تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
أحدهما أنه يقلبهما في جهنم على لهب النار وحر الجمر كما لم يؤمنوا به أول مرة في الدنيا ; والآخر أن المعنى : يقلب أفئدتهم وأبصارهم بالحيرة التي تغم وتزعج النفس . وقال الزمخشري : " ونقلب أفئدتهم ونذرهم " عطف على لا يؤمنون داخل في حكم وما يشعركم أنهم لا يؤمنون ، وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم ، أي نطبع على قلوبهم وأبصارهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق ، كما كانوا عند نزول آياتنا أولا ، لا يؤمنون بها لكونهم مطبوعا على قلوبهم وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم أي نخليهم وشأنهم لا نكفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه . ( 1 ) وقال في قوله تعالى : " إلا أن يشاء الله " أي مشية إكراه واضطرار . وقال الطبرسي رحمه الله في قوله : " كذلك جعلنا " وجوه : أحدها أن المراد كما أمرناك بعداوة قومك من المشركين فقد أمرنا من قبلك بمعاداة أعدائهم من الجن والإنس . ومتى أمر الله رسوله بمعاداة قوم من المشركين فقد جعلهم أعداءا له . وثانيها : أن معناه حكمنا بأنهم أعداء وأخبرنا بذلك ليعاملوهم معاملة الأعداء في الاحتراز عنهم والاستعداد لدفع شرهم ، وهذا كما يقال : جعل القاضي فلانا عدلا وفلانا فاسقا إذا حكم بعدالة هذا وفسق ذاك . وثالثها : أن المراد خلينا بينهم وبين اختيارهم العداوة ، لم نمنعهم على ذلك كرها ولا جبرا ، لان ذلك يزيل التكليف . ورابعها : أنه سبحانه إنما أضاف ذلك إلى نفسه ، لأنه سبحانه لما أرسل إليهم الرسل ، وأمرهم إلى دعائهم إلى الاسلام والايمان وخلع ما كانوا يعبدونه من الأصنام والأوثان نصبوا عند ذلك العداوة لأنبيائه ، ومثله قول نوح عليه السلام : " فلم يزدهم دعائي إلا فرارا " وقال : والعامل في قوله : " ولتصغى " قوله : " يوحى " ولا يجوز أن يكون العامل
هامش
( 1 ) وهذه استعارة ، لان تقليب القلوب والابصار على الحقيقة بإزالتها عن مواضعها " إقلاقها عن مناصبها لا يصح ، والبنية صحيحة والجملة حية متصرفة ، وإنما المراد - والله أعلم - أنا نرميها بالحيرة والمخافة جزاءا على الكفر والضلالة فتكون الأفئدة مسترجعة لتعاظم أسباب المخاوف وتكون الابصار منزعجة لتوقع طلوع المكاره . وقد قيل : إن المراد بذلك تقليبهما على مرامض الجمر في نار جهنم وذلك يخرج الكلام عن حيز الاستعارة إلى حيز الحقيقة ; قاله الرضى رضي الله عنه .