تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
فلم يبق في مكة أحد إلا وسمع حديثه وتقرب إلى الله بلعنته ، وكل يقول : حسبك ما جنيت يا لعين ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
وقال : حكي عن رجل كوفي حداد قال : لما خرج العسكر من الكوفة لحرب الحسين بن علي جمعت حديدا عندي وأخذت التي وسرت معهم فلما وصلوا وطنبوا خيمهم ، بنيت خيمة وصرت أعمل أوتادا للخيم ، وسككا ومرابط للخيل وأسنة للرماح ، وما اعوج من سنان أو خنجر أو سيف كنت بكل ذلك بصيرا ، فصار رزقي كثيرا ، وشاع ذكري بينهم حتى أتى الحسين مع عسكره فارتحلنا إلى كربلا وخيمنا على شاطئ العلقمي وقام القتال فيما بينهم ، وحموا الماء عليه ، وقتلوه وأنصاره وبنيه ، وكان مدة إقامتنا وارتحالنا تسعة عشر يوما فرجعت غنيا إلى منزلي والسبايا معنا ، فعرضت على عبيد الله فأمر أن يشهروهم إلى يزيد إلى الشام فلبثت في منزلي أياما قلائل ، وإذا أنا ذات ليلة راقد على فراشي فرأيت طيفا كأن القيامة قامت ، والناس يموجون على الأرض كالجراد إذا فقدت دليلها وكلهم دالع لسانه على صدره من شدة الظماء ، وأنا أعتقد بأن ما فيهم أعظم مني عطشا لأنه كل سمعي وبصري من شدته هذا غير حرارة الشمس يغلي منها دماغي والأرض تغلي كأنها القير ، إذا اشعل تحته نار ، فخلت أن رجلي قد تقلعت قدماها فوالله العظيم لوأني خيرت بين عطشي وتقطيع لحمي حتى يسيل دمي لأشربه لرأيت شربه خيرا من عطشي فبينا أنا في العذاب الأليم ، والبلاء العميم ، إذا أنا برجل قد عم الموقف نوره ، وابتهج الكون بسروره ، راكب على فرس ، وهو ذو شيبة قد حفت به ألوف من كل نبي ووصي وصديق وشهيد وصالح ، فمر كأنه ريح أو سيران فلك فمرت ساعة وإذا أنا بفارس على جواد أغر ، له وجه كتمام القمر ، تحت ركابه ألوف إن أمر ائتمروا ، وإن زجر انزجروا ، فاقشعرت الأجسام من لفتاته ، وارتعدت الفرائص من خطراته ، فتأسفت على الأول ما سألت عنه خيفة من هذا ، وإذا به قد قام في ركابه وأشار إلى أصحابه ، وسمعت قوله خذوه وإذا بأحدهم قاهر بعضدي
بحار الأنوار — صفحة 319 | العلامة المجلسي / محمد الباقر البهبودي