وقال : سحا الطين يسحيه ويسحوه ويسحاه سحيا : قشره وجرفه ، والمسحاة - بالكسر - ما سحي به ( 1 ) . وقال : خفض القول يا فلان : لينه ، والامر : هونه ( 2 ) . قوله : من هنا ومن هنا . . أي من أول الأمر حيث منعتني الخلافة ومن هذا الوقت حيث تقر لي بالفضل ، ويمكن أن يقرأ ( من ) بالفتح فيهما . . أي من كان المانع في أول الأمر ومن القائل في هذا الوقت ، أي لا تناسب بينهما ، وعلى الأول يحتمل أن يكون أحدهما إشارة إلى الدنيا والآخر إلى العقبى ( 3 ) . * * *
هامش
( 1 ) نص عليه في القاموس 4 / 341 ، ومثله في لسان العرب 14 / 327 .
( 2 ) ذكره في القاموس 2 / 330 ، وانظر : لسان العرب 7 / 145 - 146 . وفي ( ك ) نسخة : هينة ، بدلا
من : هونه .
( 3 ) أقول : نظير هذا ما جاء عن طريق العامة كثيرا وسيأتي في مطاعن الثلاثة منه جملة ، ونذكر منه ما
أورده أبو إسحاق الثعلبي المتوفى سنة 427 ه في كتابه العرائس : 232 - 239 في قصة مفصلة ،
نذكر منها صدرها ويكشف منه استمرار خبطهم وجهلهم ، قال :
لما ولي . . . عمر بن الخطاب الخلافة أتاه قوم من أحبار اليهود فقالوا : يا عمر ! أنت ولي الأمر
بعد محمد ( ص ) وصاحبه ، وإنا نريد أن نسألك عن خصال إن أخبرتنا بها علمنا أن الاسلام حق
وأن محمدا كان نبيا ، وإن لم تخبرنا به علمنا أن الاسلام باطل وأن محمدا لم يكن نبيا . فقال : سلوا
عما بدا لكم ؟ . قالوا : أخبرنا . . . قال : فنكس عمر رأسه في الأرض ثم قال : لا عيب بعمر إذا
سئل عما لا يعلم أن يقول : لا أعلم ، وأن يسئل عما لا يعلم . فوثبت اليهود وقالوا : نشهد أن محمدا
لم يكن نبيا وأن الاسلام باطل ! .
فوثب سلمان الفارسي وقال لليهود : قفوا قليلا . . ثم توجه نحو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
حتى دخل عليه ، فقال : يا أبا حسن ! أغث الاسلام . فقال : وما ذاك ؟ . . فأخبره الخبر ، فأقبل
يرفل في بردة رسول الله ( ص ) ، فلما نظر إليه عمر وثب قائما فاعتنقه ، وقال : يا أبا الحسن ! أنت
لكل معضلة وشدة تدعى .
فدعا علي كرم الله وجهه اليهود فقال : سلوا عما بدا لكم فإن النبي ( ص ) علمني ألف باب من
العلم فتشعب لي من كل باب ألف باب ، فسألوه عنه ، فقال علي كرم الله وجهه : إن لي عليكم
شريطة إذا أخبرتكم كما في توراتكم دخلتم في ديننا وآمنتم ؟ . فقالوا : نعم . فقال : سلوا عن
خصلة . . خصلة .
قالوا : أخبرنا عن أقفال السماوات ما هي ؟ .
قال : أقفال السماوات ، الشرك بالله ، لان العبد والأمة إذا كانا مشركين لم يرتفع لهما عمل .
قالوا : فأخبرنا عن مفاتيح السماوات ما هي ؟ .
قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله . فجعل بعضهم ينظر إلى بعض
ويقولون : صدق الفتى .
قالوا : فأخبرنا بقبر سار بصاحبه ؟ .
فقال : ذلك الحوت الذي التقم يونس بن متى فسار به في البحار السبع [ كذا ] .
فقالوا : أخبرنا عمن أنذر قومه لا هو من الجن ولا هو من الانس ؟ .
قال : هي نملة سليمان بن داود ، قالت : * ( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان
وجنوده وهم لا يشعرون ) * .
قالوا : فأخبرنا عن خمسة مشوا على الأرض ولم يخلقوا في الأرحام ؟ .
قال : ذلكم : آدم ، وحواء ، وناقة صالح ، وكبش إبراهيم ، وعصى موسى .
قالوا : فأخبرنا ما يقول الدراج في صياحه ؟ .
قال : يقول : الرحمن على العرش استوى .
قالوا : فأخبرنا ما يقول الديك في صراخه ؟ .
قال : يقول : اذكروا الله يا غافلين .
قالوا : أخبرنا ما يقول الفرس في صهيله ؟ .
قال : يقول إذا مشى المؤمنون إلى الكافرين إلى الجهاد : اللهم انصر عبادك المؤمنين على
الكافرين .
قالوا : فأخبرنا ما يقول الحمار في نهيقه ؟ .
قال : يقول : لعن الله العشار . . وينهق في أعين الشياطين .
قالوا : فأخبرنا ما يقول الضفدع في نقيقه ؟ .
قال : يقول : سبحان ربي المعبود المسبح في لجج البحار .
قالوا : فأخبرنا ما يقول القنبر في صفيره ؟ .
قال : يقول : اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد .
وكان اليهود ثلاثة نفر ، قال اثنان منهم : نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ووثب
الحبر الثالث فقال : يا علي ! لقد وقع في قلوب أصحابي ما وقع من الايمان والتصديق ، وقد بقي
خصلة واحدة أسألك عنها ؟ .
فقال : سل عما بدا لك .
فقال : أخبرني عن قوم في أول الزمان ماتوا ثلاثمائة وتسع سنين ثم أحياهم الله فما كان من
قصتهم ؟ .
قال علي رضي الله عنه : يا يهودي ! هؤلاء أصحاب ، وقد أنزل الله على نبينا قرآنا فيه قصتهم ؟ ،
وإن شئت قرأت عليك قصتهم .
فقال اليهودي : ما أكثر ما قد سمعنا قراءتكم ، إن كنت عالما فأخبرني بأسمائهم ، وأسماء آبائهم ،
وأسماء مدينتهم ، واسم ملكهم ، واسم كلبهم ، واسم جبلهم ، واسم كهفهم ؟ وقصتهم من أولها
إلى آخرها ؟ . فاحتبى علي ببردة رسول الله ( ص ) ثم قال : . . . وأورد قصة أصحاب الكهف
بطولها ، ونقلها شيخنا الأميني طاب ثراه في غديره 6 / 148 - 155 .
ومنها : ما جاء عن طريق العامة - كما أورده الحافظ العاصمي في كتابه زين الفتى في شرح سورة
هل أتى ( خطي ) - . . وحكاه عنه في الغدير 6 / 242 - 243 ، وفيه :
قدم أسقف نجران على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في صدر خلافته فقال : يا أمير المؤمنين !
إن أرضنا باردة . . إلى أن قال : فقال له الأسقف : يا عمر ! أتقرؤون في كتابكم : وجنة عرضها
كعرض السماء والأرض ، فأين تكون النار ؟ . فسكت عمر وقال لعلي : أجبه أنت .
فقال له علي : أنا أجيبك يا أسقف ، أرأيت إذا جاء الليل أين يكون النهار ؟ . وإذا جاء النهار أين
يكون الليل ؟ . فقال الأسقف : ما كنت أرى عن أحد ليجيبني عن هذه المسألة . من هذا الفتى يا
عمر ؟ .
فقال : علي بن أبي طالب ، ختن رسول الله ( ص ) وابن عمه ، وهو أبو الحسن والحسين .
فقال الأسقف : فأخبرني يا عمر ! عن بقعة من الأرض طلع فيها الشمس مرة واحدة ثم لم تطلع
قبلها ولا بعدها ؟ .
فقال عمر : سل الفتى ، فسأله .
فقال : أنا أجيبك ، هو البحر حيث انفلق لبني إسرائيل ووقعت فيه الشمس مرة واحدة لم تقع
قبلها ولا بعدها ؟ .
فقال الأسقف : أخبرني عن شئ في أيدي الناس شبه بثمار الجنة ؟ .
فقال عمر : سل الفتى . فسأله .
فقال علي : أنا أجيبك ، هو القرآن ، يجتمع عليه أهل الدنيا فيأخذون منه حاجتهم فلا
ينقص منه شئ فكذلك ثمار الجنة .
فقال الأسقف : صدقت .
قال : أخبرني هل للسماوات من قفل ؟ .
فقال علي : قفل السماوات الشرك بالله .
فقال الأسقف : وما مفتاح ذلك القفل ؟ .
قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، لا يحجبها شئ دون العرش .
فقال : صدقت .
فقال : أخبرني عن أول دم وقع على وجه الأرض ؟ .
فقال علي : أما نحن فلا نقول كما يقولون : دم الخشاف ، ولكن أول دم وقع على وجه الأرض
مشيمة حواء حيث ولدت هابيل بن آدم . قال : صدقت ، وبقيت مسألة واحدة .
أخبرني : أين الله ؟ . فغضب عمر .
فقال علي : أنا أجيبك ، وسل عما شئت ، كنا عند رسول الله ( ص ) إذا أتاه ملك فسلم ، فقال له
رسول الله ( ص ) من أين أرسلت ؟ . فقال : من السماء السابعة من عند ربي ، ثم أتاه آخر فسأله ،
فقال : أرسلت من الأرض السابعة من عند ربي ، فجاء ثالث من الشرق ، ورابع من المغرب فسألهما
فأجابا كذلك ، فالله عز وجل ههنا وههنا ، في السماء إله وفي الأرض إله .
ونظيره أورده الفضل بن شاذان في كتابه الروضة : 145 ، والفضائل : 202 ، وحكاه عنهما
العلامة المجلسي في بحاره 10 / 58 - 60 ، عن أنس بن مالك ، وهناك روايات عديدة في هذا
الباب .
ومنها : ما أخرجه أحمد بن حنبل - امام الحنابلة - في الفضائل بإسناده عن ابن المسيب قال : كان
عمر بن الخطاب يقول : أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن .
قال ابن المسيب : ولهذا القول سبب وهو : ان ملك الروم كتب إلى عمر يسأله عن مسائل
فعرضها على الصحابة فلم يجد عندهم جوابا ، فعرضها على أمير المؤمنين فأجاب عنها في أسرع وقت
بأحسن جواب . . وذكر الكتاب بطوله ، ثم قال : فقرأ علي ( ع ) الكتاب وكتب في الحال خلفه :
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد ، فقد وقفت على كتابك أيها الملك ، وأنا أجيبك بعون الله وقوته وبركته وبركة نبينا محمد
صلى الله عليه وآله وسلم :
أما الشئ الذي لم يخلقه الله تعالى ، فالقرآن ، لأنه كلامه وصفته ، وكذا كتب الله المنزلة ، والحق
سبحانه قديم وكذا صفاته .
وأما الذي لا يعلمه الله ، فقولكم : له ولد وصاحبة وشريك ، ما اتخذ الله من ولد وما كان معه
من اله لم يلد ولم يولد .
وأما الذي ليس عند الله ، فالظلم ، وما ربك بظلام للعبيد .
وأما الذي كله فم ، فالنار ، تأكل ما يلقى فيها .
وأما الذي كله رجل ، فالماء .
وأما الذي كله عين ، فالشمس .
وأما الذي كله جناح ، فالريح .
وأما الذي لا عشيرة له ، فآدم .
وأما الذي لم يحمل بهم رحم ، فعصى موسى ، وكبش إبراهيم ، وآدم وحواء .
وأما الذي يتنفس من غير روح ، فالصبح ، لقوله تعالى : * ( والصبح إذا تنفس ) * .
وأما الناقوس ، فإنه يقول : طقا طقا ، حقا حقا ، مهلا مهلا ، عدلا عدلا ، صدقا صدقا ، إن
الدنيا قد غرتنا واستهوتنا ، تمضي الدنيا قرنا قرنا ، ما من يوم يمضي عنا إلا أوهى منا ركنا ، إن الموتى
[ كذا ] قد أخبرنا انا نرحل فاستوطنا .
وأما الظاعن ، فطور سيناء لما عصت بنو إسرائيل وكان بينه وبين الأرض المقدسة أيام فقلع الله
منه قطعة وجعل لها جناحين من نور فنتقه عليهم ، فذلك قوله : * ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة
وظنوا أنه واقع بهم ) * . وقال لبني إسرائيل : إن لم تؤمنوا وإلا أوقعته عليكم ، فلما تابوا رده إلى مكانه .
وأما المكان الذي لم تطلع عليه الشمس إلا مرة واحدة ، فأرض البحر لما فلقه الله لموسى ( ع ) وقام
الماء أمثال الجبال ويبست الأرض بطلوع الشمس عليها ، ثم عاد ماء البحر إلى مكانه .
وأما الشجرة التي يسير الراكب في ظلها مائة عام ، فشجرة طوبى ، وهي سدرة المنتهى في السماء
السابعة ، إليها ينتهي أعمال بني آدم ، وهي من أشجار الجنة ، ليس في الجنة قصر ولا بيت إلا وفيه
غصن من أغصانها ، ومثلها في الدنيا الشمس أصلها واحد وضوئها في كل مكان .
وأما الشجرة التي نبتت من غير ماء ، فشجرة يونس ، وكان ذلك معجزة له ، لقوله تعالى : * ( وأنبتنا
عليه شجرة من يقطين ) * .
وأما غذاء أهل الجنة ، فمثلهم في الدنيا الجنين في بطن أمه ، فإنه يغتذي من سرتها ولا يبول ولا
يتغوط .
وأما الألوان في القصعة الواحدة ، فمثلها في الدنيا البيضة فيها لونان : أبيض وأصفر ولا يختلطان .
وأما الجارية التي تخرج من التفاحة ، فمثلها في الدنيا الدودة تخرج من التفاحة ولا تتغير .
وأما الجارية التي تكون بين اثنين ، فالنخلة التي تكون في الدنيا لمؤمن مثلي ولكافر مثلك ، وهي
لي في الآخرة دونك ، لأنها في الجنة وأنت لا تدخلها .
وأما مفاتيح الجنة ، فلا إله إلا الله ، محمد رسول الله .
قال ابن المسيب : فلما قرأ قيصر الكتاب قال : ما خرج هذا الكلام إلا من بيت النبوة . ثم سأل
عن المجيب ، فقيل له : هذا جواب ابن عم محمد ( ص ) ، فكتب إليه :
( سلام عليك ، أما بعد ، قد وقفت على جوابك ، وعلمت أنك من أهل بيت النبوة ، ومعدن
الرسالة ، وأنت موصوف بالشجاعة والعلم ، وأؤثر أن تكشف لي عن مذهبكم ، والروح التي ذكرها
الله في كتابكم في قوله : * ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) * ) .
فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام :
أما بعد ، فالروح نكتة لطيفة ، ولمعة شريفة ، من صنعة بارئها ، وقدرة منشئها ، أخرجها من
خزائن ملكه وأسكنها في ملكه ، فهي عنده لك سبب ، وله عندك وديعة ، فإذا أخذت ما لك عنده
أخذ ما له عندك ، والسلام .
وقد نص على القصة بطولها الحافظ العاصمي في زين الفتى في شرح سورة هل أتى ، وتذكرة
خواص الأمة ، لسبط ابن الجوزي الحنفي : 87 .