بشئ وكتمني ، ومنهم من حدثني ثم قال : أصابتنا فتنة أخذت بقلوبنا وأسماعنا وأبصارنا . وذلك لما ادعى أبو بكر أنه سمع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول بعد ذلك : إنا أهل بيت أكرمنا الله واختار لنا الآخرة على الدنيا ، وإن الله أبى أن يجمع لنا أهل البيت البنوة والخلافة ( 1 ) فاحتج بذلك أبو بكر على علي ( عليه السلام ) حين جئ به للبيعة .
هامش
( 1 ) هذه مزعمة من يقدر الخلافة رئاسة دنيوية وسلطة تجبرية ، ولما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
قال : " انا أهل بيت اختار الله لن الآخرة على الدنيا " تقدر من ذلك أن الخلافة تقابل النبوة
وأنها لا تصل إلى أهل بيته بأمر من الله ولكن الله يقول عز من قائل " فقد آتينا آل إبراهيم
الكتاب والحكم والنبوة وآتيناهم ملكا عظيما " بل لعمري هذه مزعمة من لم يعرف حقيقة
النبوة ، ولا الخلافة عنها ، فان النبوة الاسلامية هي الجامعة لأمور الدنيا والدين ، وقد كان
الرسول الأعظم على كمال زهده وأعراضه عن الدنيا رئيسا للمسلمين يأمرهم وينهاهم بأمر الله
لا تعظما وتجبرا عليهم ، وهكذا الخلافة الاسلامية ، فان الخليفة هو الذي يقوم مقام النبي في
أمره ونهيه يتبع بذلك حكم الله وسنة نبيه ليس يريد بذلك حرث الدنيا والتجبر
فيها .
فالخلافة لا تفترق بشئونها عن النبوة الا بالوحي فان النبي يلتقط الوحي من الله ،
والخليفة يلتقط ذلك عن النبي ويصدر عن أمره ونهيه ، وأما من حيث الرئاسة الدينية الإلهية
فهما سيان لا يراد بهما الا إحقاق الحق وإقامة العدل ، لا الدنيا وزخرفها .
فهذا علي بن أبي طالب حامل لواء الخلافة يقول في كلام له يتشكى أصحابه من سوء
تربيتهم ونفورهم عن الحق وأنسهم بالباطل في الفترة بين قيامه بالحق ورحلة النبي
الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
" أيتها النفوس المختلفة والقلوب المتشتتة ، الشاهدة أبدانهم والغائبة عنهم عقولهم ،
أظأركم على الحق وأنتم تنفرون عنه نفور المعزى عن وعوعة الأسد ، هيهات أن أطلع بكم سرار العدل أو أقيم اعوجاج الحق ، اللهم انك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان
ولا التماس شئ من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الاصلاح في بلادك ،
فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطلة من حدودك ( النهج خ 129 )
إلى غير ذلك من كلماته المعتضدة بسيرته الكريمة الانسانية .
وأما أبو بكر فهو الذي يقول حين ولى الأمة : أيها الناس قد وليتكم ولست بخيركم
فإذا رأيتموني قد استقمت فاتبعوني وإذا رأيتموني قد ملت فقوموني ، الا وان لي شيطانا
يعتريني فإذا رأيتموني مغضبا فتجنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم ( الإمامة والسياسة :
19 ، الطبري 3 / 224 البداية والنهاية 6 / 203 تاريخ الخلفاء : 27 . )
فالرجل كان يقدر الخلافة رياسة دنياوية تراه يتكلم بما يتكلم أحد الرؤساء الجمهورية
ويراوغ كروغانهم : تارة يصانعهم ويقول : " قد وليتكم ولست بخيركم " وتارة يهددهم
ويقول " فإذا رأيتموني مغضبا فتجنبوني لا أو ثر في أشعاركم وأبشاركم " ومع هذا الغضب الذي
يخرجه عن الحق ( والمؤمن هو الذي لا يخرجه غضبه عن الحق ) كيف ينتفع الناس بشريطته
التي يأمر الناس بها : " فإذا رأيتموني " الخ ، وهل تمكن أحد أن يقومه حين مال عن الحق في
كثير من سيره ؟ لا والله ما انتفع المسلمون بشريطته تلك ، حتى شقيقه عمر حيث نقم عليه
ما فعله خالد بن الوليد بمالك بن نويرة عشيرته ثم عرسه بزوجته قبل استبرائها من دون
ريث ، وطلب منه أن يقتله قودا فأبى وقال : لا أشيم سيفا سله الله ، إلى غير ذلك من سيره
التي تأتى في أبوابها