وإمّا عن قصور في فطنته وذكائه وجمود في القريحة يأبى عن انعكاس ما يلقى إليه فيها ؛ فيحتاج إلى تكرار ومثابرة كثيرة وترديد حتّى ينتقش ما همّ بتعلّمه في الذاكرة .
وقد يؤكّد الثاني ما مرّ « 1 » من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله له : « إنّي أظنّك تموت قبل أن تعلم ذلك » ، وما ذكر « 2 » من قوله صلّى اللّه عليه وآله له لحفصة : « ما أرى أباك يعلمها » ، وقوله : « ما أراه يقيمها » .
ويساعد هذا ما في الكتب من : أنّ عمر كان أعلم وأفقه من عثمان ، ولكن كان يعسر عليه حفظ القرآن « 3 » .
وأيّا ما كان فإنّ مدّة التعلّم هذه لا يمكن أن تكون على العهد النبويّ ؛ فإنّ سورة البقرة نزلت بالمدينة عند جميع المفسّرين غير آيات نزلت في حجّة الوداع ، وقالت عائشة : ما نزلت سورة البقرة والنساء إلّا وأنا عنده صلّى اللّه عليه وآله « 4 » ، وتوفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في ربيع الأوّل - على ما ذهب إليه القوم - من السنة الحادية عشر من مهاجرته ، ومع ذلك لم يؤثر تعلّمه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ؛ فلا بدّ أن يكون تعلّمه عند أحد الصحابة أو عند لفيف منهم ؛ وهم الّذين يقول القائل : « فإنّ الخليفة كان أعلمهم على الإطلاق » !
ويشهد هذا أيضا على خلوّ الرجل من أكثر علوم القرآن الموجودة في بقيّة السور ؛ فإنّ تعلّمها على هذا القياس يستدعي أكثر من مئة وثلاثين عاما حسب أجزاء القرآن الكريم ، فيفتقر الخليفة على هذا الحساب في تعلّم جميع القرآن إلى ما يقرب من مئة وخمسين عاما ، ولا يفي بذلك عمر الخليفة . على أنّ
هامش
( 1 ) - في ص 238 من كتابنا هذا .
( 2 ) - في ص 245 من كتابنا هذا .
( 3 ) - عمدة القاري 2 : 733 [ 5 / 203 ] نقلا عن النهاية .
( 4 ) - فتح الباري 8 : 130 [ 8 / 160 ] .