قال الأميني : ما أعضل الكلالة على الخليفة ! وما أبهمها وأبهم حكمها عنده وهي شريعة مطّردة سمحة سهلة !
وهل هو حين أكثر السؤال عنها أجاب عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أو لم يجب ؟
فإن كان الأوّل فلم لم يحفظه أو قصر فهمه عن عرفانه وهو أحبّ إليه من حمر النعم ، أو من الدنيا وما فيها ، أو من أن يكون له مثل قصور الشام ؟
وإن كان الثاني فحاشا رسول اللّه أن يؤخّر البيان عن وقت الحاجة وهو يعلم أنّه سوف يتربّع على منصّة الخلافة فترفع إليه المسائل والخصومات وإنّ من أكثرها اطّرادا مسألة الكلالة .
لكنّ الحقيقة هي ما نوّه به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بقوله لحفصة : « ما أرى أباك يعلمها » « 1 » ، أو بقوله : « ما أراه يقيمها » « 2 » ؛ وهو يعرب عن جليّة الحال ، ويوقف القارئ على الواقع إن لم يضلّه الهوى .
والخطب الفظيع أنّه بعد هذه كلّها ومع قوله : « إنّها لم تبيّن لي » لم يتزحزح عن الحكم فيها ، وكان يقضي فيها برأيه ما شاء ذاهلا عن قوله تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
« 3 » ، وعن قوله تعالى :
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ
« 4 » .
وتراه يتّبع أبا بكر وهو يعلم أنّه شاكلته وقد سمع منه قوله : « إنّي سأقول فيها برأيي فإن يك صوابا فمن اللّه وإن يك خطأ فمنّي ومن الشيطان » !
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
« 5 » .
هامش
( 1 ) - انظر كنز العمّال 6 : 2 [ 11 / 78 ، ح 30688 ] .
( 2 ) - انظر تفسير ابن كثير 1 : 594 .
( 3 ) - الإسراء : 36 .
( 4 ) - الحاقّة : 44 - 47 .
( 5 ) - النجم : 28 .