وبرك كما يبرك البعير ، فاستقبله رسول الله صلى الله عليه وآله بالحديث ، فقال : يا أخا بني عامر إن
حقيقة قولي وبدؤ شأني أني دعوة إبراهيم عليه السلام ، وبشرى أخي عيسى بن مريم عليه السلام
ووإني كنت بكر أمي ، وإنها حملتني كأثقل ما تحمل النساء حتى جعلت تشتكي إلى
صواحباتها ثقل ما تجد ، ثم إن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور حتى أضاءت
له مشارق الأرض ومغاربها ، ثم إنها ولدتني ، فلما نشأت بغضت إلي الأوثان ، وبغض
إلي الشعر ، وكنت مسترضعا " في بني بكر ، فبينا أنا ذات يوم مع أتراب ( 1 ) لي من الصبيان
في بطن واد وإذا أنا برهط معهم طشت من ذهب ملان ثلجا " ، فأخذوني من بين أصحابي ،
وانطلقوا أصحابي هرابا " حتى إذا انتهوا إلى شفير الوادي أقبلوا على الرهط ، فقالوا :
ما رابكم إلى هذا الغلام ، فإنه ليس منا ، هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا من غلام
ليس له أب ولا أم ، فماذا يرد عليكم قتله ، وما تصيبون من ذلك ؟ فإن كنتم لابد
قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم فاقتلوه مكانه ، ودعوا هذا الغلام ، فلما رأى الصبيان أن
القوم لا يحيرون إليهم جوابا " انطلقوا هرابا " مسرعين إلى الحي ، يؤذنونهم بي ويستصرخونهم
على القوم ، فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا " لطيفا " ، ثم شق ما بين مفرق
صدري إلى منتهى عانتي ، وأنا أنظر إليه ، لا أجد لذلك مسا " ، ثم أخرج أحشاء بطني
فغسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها ، ثم أعادها مكانها ، ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه : تنح ،
فنحاه عني ، ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي فصدعه ، فأخرج منه مضغة سوداء فرمى
بها ، ثم قال بيده : يمنة منه ، كأنه تناول شيئا " ، فإذا أنا في يده بخاتم نور تحار أبصار
الناظرين دونه ، فختم به قلبي فامتلاء نورا " ، وذلك نور النبوة والحكمة ، ثم أعاده إلى
مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم ، ثم قام الثالث منهم فقال لصاحبه : تنح ، فنحاه عني
وأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله عز وجل ، ثم
أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا " لطيفا " ، ثم قال للأول الذي شق بطني : زنه بعشرة
من أمته ، فوزنني بهم فرجحتهم ، ثم قال : زنه بمأة من أمته ، فوزنني بهم فرجحتهم ،
ثم قال : زنه بألف من أمته فوزنني بهم فرجحتهم ، فقال : دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها
هامش
( 1 ) أي مع من كان على سنى .