إن لك لقصة عجيبة ، قالت : قلت : إي والله لقصتي عجيبة ، محمد بن آمنة أرضعته ثلاثة
أحوال ( 1 ) لا أفارقه ليله ونهاره ، فنعشني ( 2 ) الله به ، وأنضر وجهي ( 3 ) ، ومن علي ،
وأفضل ببركته حتى إذا ظننت أني قد بلغت به الغاية أديت إلى أمه الأمانة لأخرج
من عهدي وأمانتي ، فاختلس مني اختلاسا " قبل أن يمس قدمه الأرض ، وإني أحلف
بإله إبراهيم لئن لم أجده لأرمين بنفسي من حالق ( 4 ) الجبل ، قالت : وقال لي الشيخ :
لا تبكي أيتها السعدية ادخلي على هبل ، فتضرعي إليه فلعله يرده عليك فإنه القوي
على ذلك العالم بأمره ، قالت : فقلت له : أيها الشيخ كأنك لم تشهد ولادة محمد ليلة ولد
ما نزل باللات والعزى ؟ فقال لي : أيتها السعدية إني أراك جزعة ، فأنا أدخل على هبل
وأذكر أمرك له ، فقد قطعت أكبادنا ببكائك ، ما لاحد من الناس على هذا صبر ، قالت :
فقعدت مكاني متحيرة ، ودخل الشيخ على هبل وعيناه تذرفان بالدموع فسجد له طويلا ،
وطاف به أسبوعا " ، ثم نادى : يا عظيم المن ، يا قويا " في الأمور ، إن منتك على قريش
لكثيرة ، وهذه السعدية رضيعة محمد تبكي ، قد قطع بكائها الأنياط ( 5 ) ، وأبرز العذارى ،
فإن رأيت أن ترده عليها إن شئت ، قالت : فارتج والله الصنم ، وتنكس ومشى على رأسه
وسمعت منه صوتا " يقول : أيها الشيخ أنت في غرور ، مالي ولمحمد ، وإنما يكون هلاكنا
على يديه ، وإن رب محمد لم يكن ليضيعه ويحفظه ، أبلغ عبدة الأوثان أن معه الذبح
الأكبر ، ألا أن يدخلوا في دينه ، قالت : فخرج الشيخ فزعا " مرعوبا " ، نسمع لسنه
قعقعة ( 6 ) ، ولركبتيه ( 7 ) اصطكاكا " يقول ( 8 ) لي : يا حليمة ما رأيت من هبل مثل هذا ، فاطلبي
هامش
( 1 ) الأحوال : السنون .
( 2 ) في المصدر : فعيشني الله به .
( 3 ) أي صير الله وجهي ناضرا والناضر : من حسن وكان جميلا .
( 4 ) الحالق من الجبال : المنيف المرتفع لا نبات فيه كأنه حلق ، يقال : جاء من حالق : أي
من مكان مشرف .
( 5 ) الأنياط جمع النياط : عرق غليظ متصل بالقلب يموت صاحبه بقطعه .
( 6 ) القعقعة : صريف الأسنان وصوتها .
( 7 ) اصطكت ركبتاه : اضطربتا وضربت إحداهما الأخرى عند المشي .
( 8 ) في المصدر : ولركبتيه اصطكاك ، كأنه يقول لي .