قد أظلكم زمانه ، وأدرككم أوانه ، طوبى لمن أدرك صاحبه فبايعه ( 1 ) ، وويل لمن أدركه
ففارقه ، ثم أنشأ يقول :
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر * لما رأيت مواردا " للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها يمضي الأصاغر والأكابر * لا يرجع الماضي إليك ولا من الماضين غابر
أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يرحم الله قس بن ساعدة ، إني لأرجو أن يأتي يوم القيامة
أمة وحده ( 2 ) ، فقال رجل من القوم : يا رسول الله لقد رأيت من قس عجبا " ، قال : وما
الذي رأيت ؟ قال : بينما انا يوما بجبل " في ناحيتنا يقال له : سمعان في يوم قائظ ( 3 ) شديد
الحر إذا انا بقس بن ساعدة في ظل شجرة عندها عين ماء ، وإذا حواليه سباع كثيرة ،
وقد وردت حتى تشرب من الماء ، وإذا زأر سبع منها على صاحبه ضربه بيده ، وقال : كف حتى
يشرب الذي ورد قبلك ، فلما رأيته وما حوله من السباع هالني ذلك ودخلني رعب شديد ،
فقال لي : لا بأس عليك ، لا تخف إن شاء الله ، وإذا أنا بقبرين بينهما مسجد ، فلما آنست
به قلت : ما هذان القبران ؟ قال : قبر أخوين كانا لي يعبدان الله في هذا الموضع معي ، فماتا
فدفنتهما في هذا الموضع ، واتخذت فيما بينهما ( 4 ) مسجدا " أعبد الله فيه حتى ألحق بهما ،
ثم ذكر أيامهما وفعالهما فبكى ثم قال :
خليلي هبا طال ما قد رقدتما * أجدكما لا تقضيان كراكما
ألم تعلما أني بسمعان مفرد * وما لي بها ممن حببت سواكما
أقيم على قبريكما لست بارحا " * طوال الليالي أو يجيب صداكما
أبكيكما طول الحياة وما الذي * يرد على ذي عولة إن بكاكما
كأنكما والموت أقرب غاية * بروحي في قبري كما قد أتاكما
هامش
( 1 ) في المصدر : وبايعه .
( 2 ) في المصدر : واحدة .
( 3 ) قاظ اليوم : اشتد حره . ويوم قائظ : شديد الحر .
( 4 ) في المصدر : ما بينهما .