تقتضي أولوية الوجود ، كافية أو غير كافية ، وبعبارة أخرى : الماهية من حيث هي
ليست إلا هي ، لا موجودة ولا معدومة ولا أي شئ آخر ( 1 ) .
وأما الأولوية الغيرية ، وهي التي تأتي من ناحية العلة ، فلأنها لما لم تصل إلى
حد الوجوب لا يخرج بها الممكن من حد الاستواء ، ولا يتعين بها له الوجود أو
العدم ( 2 ) ، ولا ينقطع بها السؤال : إنه لم وقع هذا دون ذاك ؟ وهو الدليل على أنه لم
تتم بعد للعلة عليتها ( 3 ) .
فتحصل : أن الترجيح إنما هو بايجاب العلة وجود المعلول ، بحيث يتعين له
الوجود ويستحيل عليه العدم ، أو إيجابها عدمه ، فالشئ - أعني الممكن - ما لم
يجب لم يوجد .
خاتمة :
ما تقدم من الوجوب هو الذي يأتي الممكن من ناحية علته ، وله وجوب آخر
يلحقه بعد تحقق الوجود أو العدم ، وهو المسمى ب " الضرورة بشرط المحمول " ( 4 ) ،
هامش
( 1 ) وبعبارة أخرى : أن الأولوية الذاتية إنما يتصور إذا كان الوجود اعتباريا وغير أصيل ، وأما
إذا كان الوجود أصيلا والماهية اعتبارية فلا يتصور أولوية ، إذ ليست الماهية مع قطع النظر
عن الوجود شيئا حتى تكون كافية في الأولوية أو لم تكن كافية في الأولوية .
( 2 ) وليس بين استواء الطرفين وتعين أحدهما واسطة - منه ( رحمه الله ) - .
( 3 ) توضيح ذلك : أن الممكن ما دام ممكنا حيثيته حيثية عدم الاقتضاء إلى حد أحد الطرفين ،
والخارج إذا لم يرجح أحد طرفيه إلى حد الوجوب بل مع رجحانه ذلك الطرف يكون طرفه
الآخر المرجوح ممكنا ، فلم يكن معينا لوجوده ولا لعدمه ، ويكون باقيا على امكانه مع
أولوية ذلك الطرف من الخارج ، فمع فرض ذلك المرجح الخارجي بقي علة الاحتياج إلى
المرجح من الخارج بحالها ، فيحتاج إلى ضم شئ آخر من الخارج إلى ذلك المرجح
الخارجي ، وإن لم يكن ذلك المرجح الخارجي مرجحا ولا علة .
( 4 ) وقد ذهب الحكيم المؤسس آقا علي المدرس ( رحمه الله ) إلى أن الوجوب بشرط المحمول أخص
من الوجوب اللاحق . وإليك نص كلامه في ما علق على شوارق الإلهام : " أقول : الوجوب
السابق هو تعين المعلول بهويته الخاصة في مرتبة اقتضاء العلة المقتضية الجامعة لجميع
جهات اقتضاء تلك الهوية الذي هو عين وجودها . والوجوب اللاحق هو تعين المعلول في
مرتبة وجوده وهويته ، بل وجوب اعتبر في مرتبة ذات الشئ هو وجوب لاحق له وإن كان
سابقا بالنسبة إلى وجوب معلوله منه . ووجه تسميته باللاحق هو كونه لاحقا بالوجوب
السابق في أكثر أفراده ، وهي الوجوبات الحاصلة في مرتبة الوجودات الممكنات . والوجوب
بشرط المحمول وجوب آخر أخص منه ، ولا يحصل إلا باعتبار الاشتراط واعتبار المحمول
مع الموضوع الخالي عنه بحسب ذاته . . . " .