وقد تبين بذلك : أن الوجوب بذاته وصف منتزع من حاق وجود الواجب ( 1 )
كاشف عن كون وجوده بحتا في غاية الشدة غير مشتمل على جهة عدمية ، إذ لو
اشتمل على شئ من الأعدام حرم الكمال الوجودي الذي في مقابله ، فكانت ذاته
مقيدة بعدمه ، فلم يكن واجبا بالذات صرفا له كل كمال .
الفصل الرابع
واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات ( 2 )
إذ لو كان غير واجب بالنسبة إلى شئ من الكمالات التي تمكن له بالإمكان العام ،
كان ذا جهة إمكانية بالنسبة إليه ، فكان خاليا في ذاته عنه متساوية نسبته إلى وجوده
وعدمه ، ومعناه تقيد ذاته بجهة عدمية ، وقد عرفت في الفصل السابق استحالته ( 3 ) .
الفصل الخامس
في أن الشئ ما لم يجب لم يوجد ( 4 ) وبطلان القول بالأولوية ( 4 )
لا ريب أن الممكن - الذي يتساوي نسبته إلى الوجود والعدم عقلا - يتوقف
هامش
( 1 ) بمعنى أن منشأ انتزاعه عين وجود الواجب ، فالمنشأ منشأ بعينه ونفسه ، بخلاف الماهيات
الممكنة ، فإن منشأ انتزاعها غيرها .
( 2 ) قال فخر الدين الرازي في شرح عيون الحكمة 3 : 115 : " معناه أنه ممتنع التغير في صفة
من صفاته " .
وقال الميبدي في شرح الهداية الأثيرية : 72 : " أي ليست له حالة منتظرة غير حاصلة " .
وقال صدر المتألهين : " المقصود من هذا أن الواجب الوجود ليس فيه جهة إمكانية ، فإن
كل ما يمكن له بالإمكان العام فهو واجب له " . ثم عد ما ذكره الميبدي من فروع الخاصة
المذكورة . راجع الأسفار 1 : 122 .
( 3 ) حيث قال : " إذ لو اشتمل على شئ من الأعدام . . . " .
( 4 ) لا يخفى أنه لا وجه لتخصيص الوجود بالذكر ، لأنه كما ليس ترجيح جانب الوجود بالعلة
إلا بإيجاب الوجود ، كذلك ليس ترجيح جانب العدم بالعلة إلا إذا كانت العلة بحيث تفيد
امتناع معلولها . فالأصح أن يقال : " في أن الشئ ما لم يجب لم يوجد وما لم يمتنع لم يعدم " .
( 5 ) قال صدر المتألهين في عنوان الفصل : " في إبطال كون الشئ أولى له الوجود أو العدم ،
أولوية غير بالغة حد الوجوب " . والأصح ما قال المصنف ( رحمه الله ) : " بطلان القول بالأولوية " أو
يقال : " في إبطال كون الشئ أولى له الوجود أو العدم ، أولوية غير بالغة حد الوجوب أو
الامتناع " . والوجه في ذلك ما ذكرنا من عدم الوجه لتخصيص الوجود بالذكر .
وإنما يرد على المصنف ( رحمه الله ) أن مسألة " الشئ ما لم يجب لم يوجد " فرع مسألة " بطلان
القول بالأولوية " فينبغي تقديمها عليها كما صنعه أكثر المحققين .