وجه آخر ، هو يعقل ذاته ويعقل الواجب ( تعالى ) ، فيتعدد فيه الجهة ، ويمكن أن
يكون لذلك مصدرا لأكثر من معلول واحد .
لكن الجهات الموجودة في عالم المثال الذي دون عالم العقل بالغة مبلغا لا
تفي بصدورها الجهات القليلة التي في العقل الأول ، فلا بد من صدور عقل ثان ثم
ثالث وهكذا حتى تبلغ جهات الكثرة عددا يفي بصدور العالم الذي يتلوه من
المثال .
فتبين : أن هناك عقولا طولية كثيرة وإن لم يكن لنا طريق إلى إحصاء عددها .
الفصل الثاني عشر
في العقول العرضية
أثبت الإشراقيون في الوجود عقولا عرضية ، لا علية ولا معلولية بينها ، هي
بحذاء الأنواع المادية التي في هذا العالم المادي ، يدبر كل منها ما يحاذيه من
النوع ، وتسمى : " أرباب الأنواع " و " المثل الأفلاطونية " ( 1 ) لأنه ( 2 ) كان يصر على
القول بها ، وأنكرها المشاؤون ، ونسبوا التدابير المنسوبة إليها إلى آخر العقول
الطولية والذي يسمونه : " العقل الفعال " .
وقد اختلفت أقوال المثبتين في حقيقتها ( 3 ) وأصح الأقوال فيها - على ما
قيل ( 4 ) - هو أن لكل نوع من هذه الأنواع المادية فردا مجردا في أول الوجود ،
واجدا بالفعل جميع الكمالات الممكنة لذاك النوع ، يعتني بأفراده المادية ، فيدبرها
هامش
( 1 ) قال صدر المتألهين : " قد نسب إلى أفلاطون الإلهي أنه قال في كثير من أقاويله موافقا
لأستاذه سقراط : إن للموجودات صورا مجردة في عالم الإله ، وربما يسميها المثل الإلهية
وإنها لا تدثر ولا تفسد ولكنها باقية ، وان الذي يدثر ويفسد إنما هي الموجودات التي هي
كائنة " ثم قال : " وكان المعروف بأفلاطون ومعلمه سقراط يفرطان في هذا الرأي " . راجع
الأسفار 2 : 46 - 47 .
( 2 ) أي أفلاطون .
( 3 ) راجع الأسفار 2 : 47 - 53 ، وشرح المنظومة : 202 - 203 .
( 4 ) راجع الأسفار 2 : 62 ، وشرح المنظومة : 199 .