الممكن على وجوبه بالغير وانتهاء ذلك إلى الواجب بالذات ، ينتج خلاف
المطلوب ، فإن كون فعله ( تعالى ) واجبا يستلزم كونه ( تعالى ) موجبا - بفتح الجيم -
أي واجبا عليه الفعل ممتنعا عليه الترك ، ولا معنى لعموم القدرة حينئذ .
قلت : الوجوب - كما تعلم - منتزع من الوجود ، فكما أن وجود المعلول من
ناحية العلة كذلك وجوبه بالغير من ناحيتها ، ومن المحال أن يعود الأثر المترتب
على وجود الشئ مؤثرا في وجود مؤثره ، فالإيجاب الجائي من ناحيته ( تعالى )
إلى فعله يستحيل أن يرجع فيوجب عليه ( تعالى ) فعله ، ويسلب عنه بذلك عموم
القدرة ، وهي عين ذاته .
ويتبين بما تقدم : أنه ( تعالى ) مختار بالذات ، إذ لا إجبار إلا من أمر وراء
الفاعل ، يحمله على خلاف ما يقتضيه أو على ما لا يقتضيه ، وليس وراءه ( تعالى )
إلا فعله ، والفعل ملائم لفاعله ، فما فعله من فعل هو الذي تقتضيه ذاته ويختاره
بنفسه .
الفصل السابع
في حياته تعالى
الحي عندنا هو : " الدراك الفعال " ، فالحياة مبدأ الإدراك والفعل - أي مبدأ
العلم والقدرة - ، أو أمر يلازمه العلم والقدرة ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قال المحقق القوشجي : " واختلفوا في معنى الحياة . فقال جمهور المتكلمين إنها صفة
توجب صحة العلم والقدرة . وقال الحكماء وأبو الحسين البصري من المعتزلة إنها كونه
بحيث يصح أن يعلم ويقدر " . راجع شرح تجريد العقائد للقوشجي : 314 .
وأقول : الحياة قد تطلق ويراد بها " الوجود " . وبهذا الاعتبار كلما هو موجود حي حتى
الجمادات . وقد تطلق ويراد بها مبدأ الدرك والفعل ، ولكل منهما مراتب ، أقل مرتبة الدرك
والفعل هو الشعور اللمسي والحركة الإرادية ، وأعلاهما العلم الحضوري والقدرة التامة
للواجب . فالله تعالى حي بكلا الإطلاقين .