ومن طريق آخر ( 1 ) : الأفعال كغيرها من الممكنات معلولة ، وقد تقدم في
مرحلة العلة والمعلول : أن وجود المعلول رابط بالنسبة إلى علته ( 2 ) ، ولا يتحقق
وجود رابط إلا بالقيام بمستقل يقومه ، ولا مستقل بالذات إلا الواجب بالذات ، فهو
مبدأ أول لصدور كل معلول متعلق الوجود بعلة ، وهو على كل شئ قدير .
فإن قلت : الالتزام بعموم القدرة للأفعال الاختيارية التزام بكونها جبرية ، فإن
لازمه القول بتعلق الإرادة الإلهية بالفعل الاختياري ، وهي لا تتخلف عن المراد ،
فيكون ضروري الوقوع ، ويكون الانسان مجبرا عليه ، لا مختارا فيه .
وبوجه آخر : ما وقع من الفعل متعلق لعلمه ( تعالى ) ، فوقوعه ضروري ، وإلا
عاد علمه جهلا ( تعالى عن ذلك ) ، فالفعل جبري لا اختياري .
قلت : كلا ! فالإرادة الإلهية إنما تعلقت بالفعل على ما هو عليه في نفسه ، والذي
عليه الفعل هو أنه منسوب إلى الانسان الذي هو جزء علته التامة بالإمكان ، ولا
يتغير بتعلق الإرادة عما هو عليه ، فقد تعلقت الإرادة بالفعل من طريق اختيار
الانسان ، ومراده ( تعالى ) أن يفعل الانسان الفعل الفلاني باختياره ، ومن المحال أن
يتخلف مراده ( تعالى ) عن إرادته .
والجواب عن الاحتجاج بتعلق العلم الأزلي بالفعل كالجواب عن تعلق
الإرادة به ، فالعلم إنما تعلق بالفعل على ما هو عليه ، وهو أنه فعل اختياري يتمكن
الانسان منه ومن تركه ، ولا يخرج العلم المعلوم عن حقيقته ، فلو لم يقع اختياريا
كان علمه ( تعالى ) جهلا .
فإن قلت : السلوك إلى بيان عموم القدرة ( 3 ) من طريق توقف وجود المعلول
هامش
( 1 ) وهذا الطريق منسوب إلى الراسخين في العلم . راجع الأسفار 6 : 372 .
( 2 ) راجع الفصل الثالث من المرحلة السابعة .
( 3 ) اعلم أن عموم قدرته مذهب أكثر الحكماء والمتكلمين . وخالفهم في ذلك طوائف :
قال بعض المنجمين : إن الأفلاك والكواكب وأوضاعها مؤثرات مستقلة في حوادث
العالم .
وقالت الثنوية : إن فاعل الخير هو ( يزدان ) وفاعل الشر هو ( أهرمن ) . وقال بعض آخر من
الثنوية : فاعل الخير هو النور وفاعل الشر هو الظلمة .
وقال النظام : إنه ( تعالى ) لا يقدر على خلق القبيح ، لأن فعل القبيح محال ، والمحال غير
مقدور .
وقال البلخي : انه تعالى لا يقدر على مثل فعل العبد ، لأن مقدور العباد إما طاعة أو سفه أو
عبث ، وذلك على الله محال .
هذا ، ولتفصيل البحث عن بطلان هذه الأقوال راجع الكتب المطولة .