وجود في خارجه ، بل السمع إذا اتصل بالارتعاش بعدد كذا ، ظهر في السمع في
صورة الصوت ، وإذا بلغ عدد الارتعاش كذا ارتعاشا ، ظهر في البصر في صورة
الضوء واللون " ، فالحواس ، التي هي مبادئ الإدراك ، لا تكشف عما وراءها من
الحقائق ، وسائر الإدراكات منتهية إلى الحواس .
وفيه : أن الإدراكات إذا فرضت غير كاشفة عما وراءها ، فمن أين علم أن
هناك حقائق وراء الإدراك لا يكشف عنها الإدراك ؟ ! ثم من أدرك أن حقيقة
الصوت في خارج السمع ارتعاش بعدد كذا ؟ ! وحقيقة المبصر في خارج البصر
ارتعاش بعدد كذا ؟ ! وهل يصل الانسان إلى الصواب الذي يخطئ فيه الحواس ، إلا
من طريق الإدراك الإنساني ؟ !
وبعد ذلك كله ، تجويز أن لا ينطبق مطلق الإدراك على ما وراءه ، لا يحتمل إلا
السفسطة ، حتى أن قولنا : " يجوز أن لا ينطبق شئ من إدراكاتنا على الخارج " لا
يؤمن أن لا يكشف - بحسب مفاهيم مفرداته والتصديق الذي فيه - عن شئ .
الفصل التاسع
وينقسم العلم الحصولي إلى حقيقي واعتباري
والحقيقي : هو المفهوم الذي يوجد تارة بوجود خارجي فيترتب عليه آثاره ،
وتارة بوجود ذهني لا تترتب عليه آثاره ، وهذا هو " الماهية " .
والاعتباري : ما كان بخلاف ذلك ، وهو إما من المفاهيم التي حيثية مصداقها
حيثية أنه في الخارج ، كالوجود وصفاته الحقيقية كالوحدة والفعلية وغيرهما ، فلا
يدخل الذهن ، وإلا لانقلب ( 1 ) ، وإما من المفاهيم التي حيثية مصداقها حيثية أنه
في الذهن ، كمفهوم الكلي والجنس والنوع ، فلا يوجد في الخارج ، وإلا لانقلب .
وهذه المفاهيم إنما يعملها الذهن بنوع من التعمل ، ويوقعها على مصاديقها ،
لكن لا كوقوع الماهية وحملها على أفرادها ، بحيث تؤخذ في حدها ( 2 ) .
هامش
( 1 ) أي لانقلب عما هو عليه .
( 2 ) وتفصيلها في نهاية الحكمة : 315 - 316 .