قلت ( 1 ) : هو كذلك ، لكن النفس مجردة ذاتا لا فعلا ، فهي لتجردها ذاتا تعقل
ذاتها بالفعل ، لكن تعقلها فعلا يوجب خروجها من القوة إلى الفعل تدريجا بحسب
الاستعدادات المختلفة ، فإذا تجردت تجردا تاما ولم يشغلها تدبير البدن ، حصلت
لها جميع العلوم حصولا بالعقل الاجمالي ، وتصير عقلا مستفادا بالفعل .
وغير خفي أن هذا البرهان إنما يجري في الذوات المجردة الجوهرية ، التي
وجودها لنفسها ، وأما أعراضها التي وجودها لغيرها فلا ، بل العاقل لها
موضوعاتها .
الفصل الثاني عشر
في العلم الحضوري
وأنه لا يختص بعلم الشئ بنفسه
قد تقدم أن الجواهر المجردة لتمامها وفعليتها حاضرة في نفسها لنفسها ( 2 ) ،
فهي عالمة بنفسها علما حضوريا ، فهل يختص العلم الحضوري بعلم الشئ بنفسه ،
أو يعمه وعلم العلة بمعلولها إذا كانا مجردين ، وبالعكس ؟ المشاؤون على الأول ( 3 ) ،
والإشراقيون على الثاني ( 4 ) ، وهو الحق .
وذلك لأن وجود المعلول - كما تقدم ( 5 ) - رابط لوجود العلة قائم به غير
هامش
( 1 ) كما أجاب عنه الشيخ الرئيس على ما في المباحث المشرقية 1 : 373 ، والأسفار 3 : 458 -
459 . وناقش فيه صدر المتألهين ثم أجاب عنه بوجه آخر ، راجع الأسفار 3 : 459 - 460 .
( 2 ) راجع الفصل الأول من هذه المرحلة .
( 3 ) راجع التحصيل : 574 - 575 ، وشرح الإشارات 3 : 304 . ونسبه إليهم صدر المتألهين في
الأسفار 6 : 180 ، والشواهد الربوبية : 39 . ونسبه إليهم أيضا الحكيم السبزواري في تعليقاته
على الأسفار 6 : 164 ، وانحصر نفسه العلم الحضوري في موردين : علم الشئ بنفسه وعلم
الشئ بمعلوله ، راجع تعليقاته على الأسفار 6 : 160 و 230 .
وأما انتساب هذا القول إلى أفلاطون أمر خلاف الواقع ، كما في الشواهد الربوبية : 55 - 56 .
( 4 ) راجع المطارحات : 488 ، والتلويحات : 70 - 74 ، وشرح حكمة الإشراق : 358 - 366 .
( 5 ) راجع الفصل الثالث من المرحلة السابعة .