المجامع لوجوده بعد استناده إلى العلة .
فكان مفهوم الحدوث مسبوقية الوجود بالعدم ، ومفهوم القدم عدم مسبوقيته
بالعدم . والمعنيان من الأعراض الذاتية لمطلق الوجود ، فإن الموجود بما هو
موجود ، إما مسبوق بالعدم ، وإما ليس بمسبوق به ، وعند ذلك صح البحث عنهما
في الفلسفة .
فمن الحدوث الحدوث الزماني ، وهو مسبوقية وجود الشئ بالعدم الزماني
كمسبوقية اليوم بالعدم في أمس ، ومسبوقية حوادث اليوم بالعدم في أمس ، ويقابله
القدم الزماني ، وهو عدم مسبوقية الشئ بالعدم الزماني ، كمطلق الزمان الذي لا
يتقدمه زمان ولا زماني ، وإلا ثبت الزمان من حيث انتفى ، هذا خلف .
ومن الحدوث الحدوث الذاتي ، وهو مسبوقية وجود الشئ بالعدم في ذاته ،
كجميع الموجودات الممكنة التي لها الوجود بعلة خارجة من ذاتها ، وليس لها في
ماهيتها وحد ذاتها إلا العدم .
فإن قلت : الماهية ليس لها في حد ذاتها إلا الإمكان ، ولازمه تساوي نسبتها
إلى الوجود والعدم وخلو الذات عن الوجود والعدم جميعا دون التلبس بالعدم ،
كما قيل ( 1 ) .
قلت : الماهية وإن كانت في [ حد ] ذاتها خالية عن الوجود والعدم ، مفتقرة في
تلبسها بأحدهما إلى مرجح ، لكن عدم مرجح الوجود وعلته كاف في كونها
معدومة ، وبعبارة أخرى : خلوها في حد ذاتها عن الوجود والعدم وسلبهما عنها
إنما هو بحسب الحمل الأولي ، وهو لا ينافي اتصافها بالعدم حينئذ بحسب الحمل
الشائع .
ويقابل الحدوث بهذا المعنى القدم الذاتي ، وهو عدم مسبوقية الشئ بالعدم
في حد ذاته ، وإنما يكون فيما كانت الذات عين حقيقة الوجود الطارد للعدم بذاته ،
وهو الوجود الواجبي الذي ماهيته إنيته .
هامش
( 1 ) راجع المباحث المشرقية 1 : 134 .