5 - مخالفة أحاديث الجمع للاجماع :
إن هذه الروايات مخالفة لما أجمع عليه المسلمون قاطبة من أن القرآن لا طريق
لاثباته إلا التواتر ، فإنها تقول : إن إثبات آيات القرآن حين الجمع كان منحصرا
بشهادة شاهدين ، أو بشهادة رجل واحد إذا كانت تعدل شهادتين ، وعلى هذا
فاللازم أن يثبت القرآن بالخبر الواحد أيضا ، وهل يمكن لمسلم أن يلتزم بذلك ؟
ولست أدري كيف يجتمع القول بصحة هذه الروايات التي تدل على ثبوت القرآن
بالبينة ، مع القول بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ، أفلا يكون القطع بلزوم
كون القرآن متواترا سببا للقطع بكذب هذه الروايات أجمع ؟ ومن الغريب
أن بعضهم كابن حجر فسر الشاهدين في الروايات بالكتابة والحفظ ( 1 ) .
وفي ظني أن الذي حمله على ارتكاب هذا التفسير هو ما ذكرناه من لزوم
التواتر في القرآن . وعلى كل حال فهذا التفسير واضح الفساد من جهات :
أما ، أولا : فلمخالفته صريح تلك الروايات في جمع القرآن ، وقد سمعتها .
وأما ، ثانيا : فلان هذا التفسير يلزمه أنهم لم يكتبوا ما ثبت أنه من القرآن
بالتواتر ، إذا لم يكن مكتوبا عند أحد ، ومعنى ذلك أنهم أسقطوا من القرآن
ما ثبت بالتواتر أنه من القران .
وأما ، ثالثا : فلان الكتابة والحفظ لا يحتاج إليهما إذا كان ما تراد كتابته
متواترا ، وهما لا يثبتان كونه من القرآن ، إذا لم يكن متواترا . وعلى كل حال
فلا فائدة في جعلهما شرطا في جمع القرآن .
وعلى الجملة لا بد من طرح هذه الروايات ، لأنها تدل على ثبوت القرآن بغير
التواتر ، وقد ثبت بطلان ذلك بإجماع المسلمين .
هامش
( 1 ) الاتقان - النوع 18 ص 100 .