تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 823

مساهمون:

ص٨٢٣
إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) * « 1 » ، وقول إبراهيم خليل الرحمن : كَفَرْنا بِكُمْ ) * « 2 » ، يعني تبرأنا منكم ، ثم يجتمعون في مواطن أخر يبكون فيها ، فلو أن تلك الأصوات فيها بدت لأهل الدنيا لأزالت جميع الخلق عن معايشهم وانصدعت قلوبهم إلا ما شاء الله ، ولا يزالون يبكون حتى يستنفدوا الدموع ويفضوا إلى الدماء ، ثم يجتمعون في مواطن أخر فيستنطقون فيه ، فيقولون : واللَّه رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ، وهؤلاء خاصة هم المقرون في دار الدنيا بالتوحيد ، فلا ينفعهم إيمانهم بالله تعالى مع مخالفتهم رسله ، وشكهم فيما أتوا به عن ربهم ، ونقضهم عهودهم في أوصيائهم ، واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير ، فكذبهم الله فيما انتحلوه من الإيمان ، بقوله عز وجل : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ « 3 » ، فيختم الله على أفواههم ، ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود ، فتشهد بكل معصية كانت منهم ، ثم يرفع عن ألسنتهم الختم ، فيقولون لجلودهم : لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّه الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ « 4 » . ثم يجتمعون في موطن آخر ، فيفر بعضهم من بعض لهول ما يشاهدونه من صعوبة الأمر وعظم البلاء ، فذلك قوله عز وجل : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه وأُمِّه وأَبِيه وصاحِبَتِه وبَنِيه ) * « 5 » الآية ، ثم يجتمعون في موطن آخر يستنطق « 6 » فيه أولياء الله وأصفياؤه ، فلا يتكلم أحد إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ، فيقام الرسل فيسألون عن تأدية الرسالات التي حملوها إلى أممهم ، فأخبروا أنهم قد أدوا ذلك إلى أممهم ، وتسأل الأمم فتجحد ، كما قال الله تعالى : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ولَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ « 7 » ، فيقولون : ما جاءنا من بشير ولا نذير ، فتشهد الرسل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فيشهد بصدق الرسل وتكذيب من جحدها من الأمم ، فيقول لكل أمة منهم : بلى قد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير ، أي مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل إليكم رسالاتهم ، ولذلك قال الله تعالى لنبيه : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً « 8 » ، فلا يستطيعون رد شهادته خوفا من أن يختم على أفواههم ، وأن تشهد عليهم جوارحهم « 9 » بما كانوا يعملون ، ويشهد على منافقي قومه وأمته وكفارهم بإلحادهم وعنادهم ، ونقضهم عهوده « 10 » ، وتغييرهم سنته ، واعتدائهم على أهل بيته ، وانقلابهم على أعقابهم ، وارتدادهم على أدبارهم ، واحتذائهم في ذلك سنة من تقدمهم من الأمم
هامش
( 1 ) إبراهيم 14 : 22 . ( 2 ) الممتحنة 60 : 4 . ( 3 ) الأنعام 6 : 24 . ( 4 ) فصلت 41 : 21 . ( 5 ) عبس 80 : 34 - 36 . ( 6 ) ( فيفر بعضهم من بعض . . . آخر يستنطق ) ليس في « ي » . ( 7 ) الأعراف 7 : 6 . ( 8 ) النساء 4 : 41 . ( 9 ) في « ي » : أرجلهم . ( 10 ) في المصدر : عهده .