تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 810

مساهمون:

ص٨١٠
وهل أمر الله الملائكة بالسجود لآدم إلا لما كانوا قد وضعوه في نفوسهم ، إنه لا يصير في الدنيا خلق بعدهم إذا رفعوا عنها إلا وهم - يعنون أنفسهم - أفضل منهم في الدين فضلا ، وأعلم بالله علما . فأراد الله « 1 » أن يعرفهم أنهم قد أخطأوا في ظنونهم واعتقاداتهم ، فخلق آدم وعلمه الأسماء كلها ، ثم عرضها عليهم فعجزوا عن معرفتها ، فأمر آدم أن ينبئهم بها ، وعرفهم فضله في العلم عليهم . ثم أخرج من صلب آدم ذريته منهم الأنبياء والرسل والخيار من عباد الله ، أفضلهم محمد ثم آل محمد ، ومن الخيار الفاضلين منهم أصحاب محمد وخيار أمة محمد ، وعرف الملائكة بذلك أنهم أفضل من الملائكة إذا احتملوا ما حملوه من الأثقال ، وقاسوا ما هم فيه من تعرض أعوان الشياطين ومجاهدة النفوس ، واحتمال أذى ثقل العيال ، والاجتهاد في طلب الحلال ، ومعاناة مخاطرة الخوف من الأعداء من لصوص مخوفين ، ومن سلاطين جور قاهرين ، وصعوبة المسالك في المضايق والمخاوف ، والأجزاع « 2 » والجبال والتلال ، لتحصيل أقوات الأنفس والعيال ، من الطيب الحلال . عرفهم الله عز وجل أن خيار المؤمنين يحتملون هذه البلايا ، ويتخلصون منها ، ويحاربون الشياطين ويهزمونهم ، ويجاهدون أنفسهم بدفعها عن شهواتها ، ويغلبونها مع ما ركب فيهم من شهوة الفحولة وحب اللباس والطعام والعزة والرئاسة ، والفخر والخيلاء ، ومقاساة العناء والبلاء من إبليس لعنه الله وعفاريته ، وخواطرهم وإغوائهم واستهزائهم « 3 » ، ودفع ما يكابدونه من ألم الصبر على سماع الطعن من أعداء الله ، وسماع الملاهي ، والشتم لأولياء الله ، ومع ما يقاسونه في أسفارهم لطلب أقواتهم ، والهرب من أعداء دينهم ، والطلب لمن يأملون معاملته من مخالفيهم في دينهم . قال الله عز وجل : يا ملائكتي ، وأنتم من جميع ذلك بمعزل ، لا شهوات الفحولة تزعجكم ، ولا شهوة الطعام تحقركم ، ولا الخوف من أعداء دينكم ودنياكم ينخب في قلوبكم ، ولا لإبليس في ملكوت سماواتي وأرضي شغل على إغواء ملائكتي الذين قد عصمتهم منه « 4 » . يا ملائكتي ، فمن أطاعني منهم وسلم دينه من هذه الآفات والنكبات فقد احتمل في جنب محبتي ما لم تحتملوه ، واكتسب من القربات ما لم تكتسبوه . فلما عرف الله ملائكته فضل خيار أمة محمد ( صلى الله عليه وآله ) وشيعة علي ( عليه السلام ) وخلفائه عليهم ، واحتمالهم في جنب محبة ربهم ما لا تحتمله الملائكة ، أبان بني آدم الخيار المتقين بالفضل عليهم . ثم قال : فلذلك فاسجدوا لآدم . لما كان مشتملا على أنوار هذه الخلائق الأفضلين . ولم يكن سجودهم لآدم ، إنما كان آدم قبلة لهم يسجدون نحوه لله عز وجل ، وكان بذلك معظما مبجلا له ، ولا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد من دون الله ، وأن يخضع له خضوعه لله ، ويعظمه بالسجود له كتعظيمه لله ، ولو أمرت أحدا أن يسجد هكذا لغير الله ، لأمرت ضعفاء
هامش
( 1 ) في المصدر زيادة : وبنبيّه . ( 2 ) الأجزاع : جمع جزع ، وهو الوادي إذا قطعته عرضا . « الصحاح - جزع - 3 : 1195 » . ( 3 ) في المصدر : واستهوائهم . ( 4 ) في المصدر : منهم .
البرهان في تفسير القرآن — صفحة 810 | السيد هاشم البحراني / قسم الدراسات الاسلامية / مؤسسة البعثة