تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 809

مساهمون:

ص٨٠٩
الدابة إلى ما يلي كفلها « 1 » والقوم معه ، بعضهم كان أمامه ، وبعضهم خلفه ، وقال : اكشفوا عن هذا المكان ، فكشفوا عنه فإذا هو خاو ، ولا يسير عليه أحد إلا وقع في الحفيرة ، فأظهر القوم الفزع والتعجب مما رأوا ، فقال علي ( عليه السلام ) للقوم : أتدرون من عمل هذا ؟ قالوا : لا ندري . قال علي ( عليه السلام ) : لكن فرسي هذا يدري . ثم قال : يا أيها الفرس ، كيف هذا ومن دبره ؟ فقال الفرس : يا أمير المؤمنين ، إذا كان الله عز وجل يبرم ما يروم جهال الخلق نقضه ، أو كان ينقض ما يروم جهال الخلق إبرامه ، فالله هو الغالب ، والخلق هم المغلوبون ، فعل هذا - يا أمير المؤمنين - فلان وفلان ، إلى أن ذكر العشرة بمواطأة من أربعة وعشرين ، هم مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في طريقه . ثم دبروا هم على أن يقتلوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على العقبة ، والله عز وجل من وراء حياطة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وولي الله لا يغلبه الكافرون ، فأشار بعض أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بأن يكاتب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بذلك ، ويبعث رسولا مسرعا ، فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إن رسول الله - يعني جبرئيل ( عليه السلام ) - إلى محمد رسوله ( صلى الله عليه وآله ) أسرع ، وكتابه إليه أسبق ، فلا يهمنكم هذا . فلما قرب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من العقبة التي بإزائها فضائح المنافقين والكافرين نزل دون العقبة ، ثم جمعهم ، فقال لهم : هذا جبرئيل الروح الأمين ، يخبرني أن عليا دبر عليه كذا وكذا ، فدفع الله عز وجل عنه بألطافه وعجائب معجزاته بكذا وكذا ، وأنه صلب الأرض تحت حافر دابته ، وأرجل أصحابه ، ثم انقلب على ذلك الموضع علي وكشف عنه فرأيت الحفيرة ، ثم إن الله عز وجل لأمها كما كانت لكرامته عليه ، وإنه قيل له : كاتب بهذا ، وأرسل إلى رسول الله . فقال : رسول الله إلى رسول الله أسرع ، وكتابه إليه أسبق . ولم يخبرهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بما قال علي ( عليه السلام ) على باب المدينة : إن من مع رسول الله منافقين سيكيدونه ، ويدفع الله عز وجل عنه . فلما سمع الأربعة والعشرون أصحاب العقبة ما قاله ( صلى الله عليه وآله ) في أمر علي ( عليه السلام ) ، قال بعضهم لبعض : ما أمهر محمدا بالمخرقة « 2 » ! إن فيجا « 3 » أتاه مسرعا ، أو طيرا من المدينة من بعض أهله وقع عليه ! إن عليا قتل بحيلة كذا وكذا ، وهو الذي واطأنا عليه أصحابنا ، فهو الآن لما بلغه كتم الخبر ، وقلبه إلى ضده يريد أن يسكن من معه لئلا يمدوا أيديهم عليه ، وهيهات - والله - ما لبث عليا بالمدينة إلا حتفه « 4 » ، ولا أخرج محمدا إلى ها هنا إلا حتفه « 5 » ، وقد هلك علي ، وهو ها هنا هالك لا محالة ، ولكن تعالوا حتى نذهب إليه ونظهر له السرور بأمر علي ليكون أسكن لقلبه إلينا ، إلى أن نمضي فيه تدبيرنا ، فحضروه وهنئوه على سلامة علي من الورطة التي رامها أعداؤه . ثم قالوا له : يا رسول الله ، أخبرنا عن علي ، أهو أفضل أم ملائكة الله المقربون ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : وهل شرفت الملائكة إلا بحبها لمحمد وعلي ، وقبولها لولايتهما ؟ إنه لا أحد من محبي علي قد نظف قلبه من قذر الغش والدغل والغل ونجاسات الذنوب إلا كان أظهر وأفضل من الملائكة ،
هامش
( 1 ) كفل الدابّة : العجز . « القاموس المحيط - كفل - 4 : 46 » . ( 2 ) المخرقة : يراد بها هنا الافتراء والكذب . ( 3 ) قال في اللسان : وفي الحديث ذكر الفيج ، وهو المسرع في مشيه ، الذي يحمل الأخبار من بلد إلى بلد . « لسان العرب - فيج - 2 : 350 » . ( 4 ، 5 ) في المصدر : حينه .
البرهان في تفسير القرآن — صفحة 809 | السيد هاشم البحراني / قسم الدراسات الاسلامية / مؤسسة البعثة