تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 762

مساهمون:

ص٧٦٢
المنزلة لموسى أولى ، وإن الله تعالى يفضح كل مبطل بإقراره ، ويقلب عليه حجته . إن ما احتججتم به إنما يؤديكم إلى ما هو أكبر مما ذكرته لكم ، لأنكم زعمتم أن عظيما من عظمائكم قد يقول لأجنبي لا نسب بينه وبينه : يا بني ، وهذا ابني ، لا على طريق الولادة ، فقد تجدون أيضا هذا العظيم يقول لأجنبي آخر : هذا أخي . ولآخر : هذا شيخي ، وأبي . ولآخر : هذا سيدي ، ويا سيدي ، على طريق الإكرام ، وإن من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول ، فإذن يجوز عندكم أن يكون موسى أخا لله أو شيخا أو أبا أو سيدا لأنه قد زاده في الكرامة على ما لعزير ، كما أن من زاد رجلا في الإكرام ، فقال له : يا سيدي ، ويا شيخي ، ويا عمي ، ويا رئيسي ، ويا أميري [ على طريق الإكرام ، وإن من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول ، أفيجوز عندكم أن يكون موسى أخا لله أو شيخا أو عما أو رئيسا أو سيدا أو أميرا لأنه قد زاده في الإكرام على من قال له : يا شيخي أو : يا سيدي أو : يا عمي أو : يا رئيسي أو : يا أميري ؟ ] . قال : فبهت القوم وتحيروا ، وقالوا : يا محمد ، أجلنا نتفكر فيما قلته . فقال : انظروا فيه بقلوب معتقدة للإنصاف يهدكم الله . ثم أقبل ( صلى الله عليه وآله ) على النصارى ، فقال لهم : وأنتم قلتم : إن القديم عز وجل اتحد بالمسيح ابنه ، ما الذي أردتموه بهذا القول ؟ أردتم أن القديم صار محدثا لوجود هذا المحدث الذي هو عيسى ؟ أو المحدث الذي هو عيسى صار قديما لوجود القديم الذي هو الله ، أو معنى قولكم : إنه اتحد به ، أنه اختصه بكرامة لم يكرم بها أحدا سواه . فإن أردتم أن القديم تعالى صار محدثا ، فقد أحلتم « 1 » ، لأن القديم محال أن ينقلب فيصير محدثا ، وإن أردتم أن المحدث صار قديما ، فقد أحلتم ، لأن المحدث أيضا محال أن يصيرا قديما ، وإن أردتم أنه اتحد به بأن اختصه واصطفاه على سائر عباده ، فقد أقررتم بحدوث عيسى وبحدوث المعنى الذي اتحد به من أجله ، لأنه إذا كان عيسى محدثا ، وكان الله اتحد به بأن أحدث به معنى صار به أكرم الخلق عنده ، فقد صار عيسى وذلك المعنى محدثين ، وهذا خلاف ما بدأتم تقولونه . قال : فقالت النصارى : يا محمد ، إن الله تعالى لما أظهر على يد عيسى من الأشياء العجيبة ما أظهر ، فقد اتخذه ولدا على جهة الكرامة ، فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فقد سمعتم ما قلت لليهود في هذا المعنى الذي ذكرتموه ، ثم أعاد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذلك كله ، فسكتوا إلا رجلا واحدا منهم ، قال له : يا محمد ، أو لستم تقولون إن إبراهيم خليل الله ؟ [ قال : قد قلنا ذلك . فقال : ] فإذا قلتم ذلك ، فلم منعتمونا من أن نقول : إن عيسى ابن الله ؟ ! فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إنهما لن يشتبها ، لأن قولنا : إن إبراهيم خليل الله ، فإنما هو مشتق من الخلة والخلة ، فأما الخلة فمعناه الفقر والفاقة ، فقد كان خليلا إلى ربه فقيرا وإليه منقطعا ، وعن غيره متعففا معرضا مستغنيا ، وذلك لما أريد قذفه في النار فرمي به في المنجنيق فبعث الله تعالى إلى جبرئيل ( عليه السلام ) ، وقال له : أدرك عبدي . فجاءه فلقيه في الهواء ، فقال له : كلفني ما بدا لك ، فقد بعثني الله لنصرتك ، فقال : بل حسبي الله ونعم
هامش
( 1 ) أحال : جمع بين المتناقضين في كلامه . « المعجم الوسيط - حال - 1 : 208 » .