فأدركت قريش عليه العيون ، وركبت في طلبه الصعب والذلول ، وأمهل علي ( صلوات الله عليه ) حتى إذا أعتم « 1 » من الليلة القابلة انطلق هو وهند بن أبي هالة حتى دخلا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في الغار ، فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هندا أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين . فقال أبو بكر : قد كنت أعددت لي ولك - يا نبي الله - راحلتين نرتحلهما إلى يثرب . فقال : إني لا آخذهما ، ولا أحدهما إلا بالثمن « قال : فهي لك بذلك .
فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليا ( عليه السلام ) فأقبضه الثمن ، ثم وصاه بحفظ ذمته وأداء أمانته ، وكانت قريش تدعوا محمدا ( صلى الله عليه وآله ) في الجاهلية الأمين ، وكانت تودعه وتستحفظه أموالها وأمتعتها ، وكذلك من يقدم مكة من العرب في الموسم ، وجاءت النبوة والرسالة والأمر كذلك ، فأمر عليا ( عليه السلام ) أن يقيم صارخا يهتف بالأبطح غدوة وعشيا : « ألا من كان له قبل محمد أمانة أو وديعة فليأت ، فلنؤد إليه أمانته » . قال : فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
« إنهم لن يصلوا من الآن إليك - يا علي - بأمر تكرهه حتى تقدم علي ، فأد أمانتي على أعين الناس ظاهرا ، ثم إني مستخلفك على فاطمة ابنتي ، ومستخلف ربي عليكما ومستحفظه فيكما » فأمر أن يبتاع رواحل له وللفواطم ، ومن أزمع الهجرة معه من بني هاشم .
قال أبو عبيدة : فقلت لعبيد الله - يعني ابن أبي رافع - : وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يجد ما ينفقه هكذا ؟
فقال : إني سألت أبي عما سألتني ، وكان يحدث بهذا الحديث ، فقال : وأين يذهب بك عن مال خديجة ( عليها السلام ) .
قال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : « ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة » وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يفك من مالها الغارم والعاني ، ويحمل الكل ، ويعطي في النائبة ، ويرفد فقراء أصحابه إذ كان بمكة ، ويحمل من أراد منهم الهجرة ، وكانت قريش إذا رحلت عيرها في الرحلتين - يعني رحلة الشتاء والصيف - كانت طائفة من العير لخديجة ، وكانت أكثر قريش مالا ، وكان ( صلى الله عليه وآله ) ينفق منه ما شاء في حياتها ، ثم ورثها هو وولدها بعد مماتها .
قال : وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعلي ( عليه السلام ) وهو يوصيه : « وإذا قضيت ما أمرتك من أمر فكن على أهبة الهجرة إلى الله ورسوله ، وانتظر قدوم كتابي إليك ، ولا تلبث بعده » .
وانطلق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لوجهه يؤم المدينة ، وكان مقامه في الغار ثلاثا ، ومبيت علي ( صلوات الله عليه ) على الفراش أول ليلة .
قال عبد الله بن أبي رافع : وقد قال علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) : يذكر مبيته على الفراش ، ومقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في الغار ثلاثا نظما :
وقيت بنفسي خير من وطئ الحصا
ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
محمد لما خاف أن يمكروا به
فوقاه ربي ذو الجلال من المكر
وبت أراعيهم متى يأسرونني « 2 »
وقد وطنت « 3 » نفسي على القتل والأسر
هامش
( 1 ) أعتم الرجل : دخل في العتمة ، أو سار في العتمة ، والعتمة : ثلث الليل الأوّل ، أو ظلمته ، « أقرب الموارد - عتم - 2 : 743 » .
( 2 ) في المصدر : ينشرونني .
( 3 ) في المصدر : وطئت .