تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 673

مساهمون:

ص٦٧٣
نقصع « 1 » البعير بأطراف الرماح ، فيوشك أن يقطعه بين الدكادك « 2 » إربا إربا . قال صاحب رأيهم : إنكم لم تصنعوا بقولكم هذا شيئا ، أرأيتم إن خلص به البعير سالما إلى بعض الأفاريق ، فأخذ بقلوبهم بسحره وبيانه وطلاقة لسانه ، فصبا القوم إليه واستجاب له القبائل قبيلة بعد قبيلة ، فليسيرن حينئذ إليكم بالكتائب والمقانب « 3 » ، فلتهلكن كما هلكت إياد ومن كان قبلكم ، قولوا قولكم . فقال له أبو جهل : لكن أرى لكم رأيا سديدا ، وهو أن تعمدوا إلى قبائلكم العشر ، فتنتدبوا من كل قبيلة رجلا نجدا « 4 » ، ثم تسلحوه حساما عضبا « 5 » ، وتمهد الفتية حتى إذا غسق الليل وغور « 6 » ، بيتوا بابن أبي كبشة بياتا ، فتفرق « 7 » دمه في قبائل قريش جميعا ، فلا يستطيع بنو هاشم وبنو المطلب مناهضة قبائل قريش جميعا في صاحبهم ، فيرضون منا الدية فنعطيهم ديتين « 8 » . فقال صاحب رأيهم : أصبت ، يا أبا الحكم . ثم أقبل عليهم ، فقال : هذا الرأي فلا تعدلن به رأيا ، وأوكئوا « 9 » في ذلك أفواهكم حتى يستتب أمركم . فخرج القوم عزين « 10 » ، وسبقهم بالوحي بما كان من كيدهم جبرئيل ( عليه السلام ) ، فتلا هذه الآية على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : * ( وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّه واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ ) * فلما أخبره جبرئيل ( عليه السلام ) بأمر الله في ذلك ووحيه وما عزم له من الهجرة ، دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليا ( عليه السلام ) ، وقال له : « يا علي ، إن الروح الأمين هبط علي بهذه الآية آنفا ، يخبرني أن قريشا اجتمعت على المكر بي وقتلي ، وإنه أوحي إلي عن ربي عز وجل أن أهجر دار قومي ، وأن أنطلق إلى غار ثور تحت ليلتي ، وإنه أمرني أن آمرك بالمبيت على ضجاعي - أو قال : مضجعي - ليخفى بمبيتك عليهم أثري ، فما أنت قائل وصانع ؟ » . فقال علي ( صلوات الله عليه ) : « أو تسلمن بمبيتي هناك ، يا نبي الله ؟ » . قال : « نعم » . فتبسم علي ( صلوات الله عليه ) ضاحكا ، وأهوى لله إلى الأرض ساجدا ، شكرا لله لما أنبأه « 11 » به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من سلامته ، وكان علي ( صلوات الله عليه ) أول من سجد لله شكرا ، وأول من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته من هذه الأمة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلما رفع رأسه قال له : « أمض بما أمرت ، فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي ، ومرني بما شئت ،
هامش
( 1 ) قصع : دفع وكسر . « النهاية 4 : 73 » . ( 2 ) الدكادك : جمع دكدك ، وهو ما التبد من الرّمل بالأرض ولم يرتفع . « الصحاح - دكك - 4 : 1584 » . ( 3 ) المقانب : جمع مقنب ، جماعة الخيل والفرسان ، وقيل : هي دون المائة . « لسان العرب - قنب - 1 : 690 » . ( 4 ) النجد : الشجاع . « مجمع البحرين - نجد - 3 : 149 » . ( 5 ) العضب : القاطع . « لسان العرب - عضب - 1 : 609 » . ( 6 ) غور كلّ شيء : عمقه ، وغوّر النهار : إذا زالت الشمس ، وأطلقه هنا مجازا وأراد به إذا جاء منتصف الليل . ( 7 ) في المصدر : أتوا ابن أبي كبيشة ، فاقتلوه من يد رجل يضربه ، فيذهب . ( 8 ) في المصدر : فيرضون حينئذ بالعقل منهم . والمراد بالعقل الدية أيضا . ( 9 ) أوكئوا : سدّوا أو شدّوا ، والمراد هنا : اسكتوا ولا تتكلموا أو تذيعوا سرّا . ( 10 ) عزين : أي جماعات في تفرقة ، واحدتها عزة . مفردات الراغب : 334 . ( 11 ) في المصدر : بشره .
البرهان في تفسير القرآن — صفحة 673 | السيد هاشم البحراني / قسم الدراسات الاسلامية / مؤسسة البعثة