تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 670

مساهمون:

ص٦٧٠
إلينا العرب في السنة مرتين ويكرموننا ، ونحن في حرم الله لا يطمع فينا طامع ، فلم نزل كذلك حتى نشأ فينا محمد ابن عبد الله ، فكنا نسميه الأمين لصلاحه وسكونه وصدق لهجته ، حتى إذا بلغ ما بلغ وأكرمناه ادعى أنه رسول الله ، وأن أخبار السماء تأتيه ، فسفه أحلامنا ، وسب آلهتنا ، وأفسد شبابنا ، وفرق جماعتنا ، وزعم أنه من مات من أسلافنا ففي النار ، ولم يرد علينا شيء أعظم من هذا ، وقد رأيت فيه رأينا ، قالوا : وما رأيت ؟ قال : رأيت أن ندس إليه رجلا منا ليقتله ، فإن طلبت بنو هاشم بديته « 1 » أعطيناهم عشر ديات . فقال الخبيث : هذا رأي خبيث ، قالوا : وكيف ذلك ؟ قال : لأن قاتل محمد مقتول لا محالة ، فمن ذا الذي يبذل نفسه للقتل منكم ، فإنه إذا قتل محمد تعصبت بنو هاشم وحلفاؤهم من خزاعة ، وإن بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمد على الأرض ، فتقع بينكم الحروب في حرمكم ، وتتفانوا . فقال آخر منهم : فعندي رأي آخر ، قالوا : وما هو ؟ قال : نثبته في بيت ونلقي إليه قوته حتى يأتي إليه ريب المنون فيموت ، كما مات زهير والنابغة وامرؤ القيس . فقال إبليس : هذا أخبث من الآخر ، قالوا : وكيف ذاك ؟ قال : لأن بني هاشم لا ترضى بذلك ، فإذا جاء موسم من مواسم العرب استغاثوا بهم واجتمعوا عليكم فأخرجوه . قال آخر منهم : لا ، ولكنا نخرجه من بلادنا ، ونتفرغ نحن لعبادة آلهتنا . قال إبليس : هذا أخبث من الرأيين المتقدمين ، قالوا : وكيف ذاك ؟ قال : لأنكم تعمدون إلى أصبح الناس وجها ، وأنطق الناس لسانا ، وأفصحهم لهجة ، فتحملونه إلى بوادي العرب فيخدعهم ويسحرهم بلسانه ، فلا يفجأكم إلا وقد ملأها عليكم خيلا ورجلا . فبقوا حائرين ، ثم قالوا لإبليس : فما الرأي فيه ، يا شيخ ؟ قال : ما فيه إلا رأي واحد ، قالوا : وما هو ؟ قال : يجتمع من كل بطن من بطون قريش واحد ويكون معهم من بني هاشم رجل ، فيأخذون سكينا أو حديدة أو سيفا فيدخلون عليه فيضربونه كلهم ضربة واحدة حتى يتفرق دمه في قريش كلها ، فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه ، وقد شاركوا فيه ، فإن سألوكم أن تعطوا الدية فأعطوهم ثلاث ديات ، قالوا : نعم ، وعشر ديات . ثم قالوا : الرأي رأي الشيخ النجدي ، فاجتمعوا ودخل معهم في ذلك أبو لهب عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) . ونزل جبرئيل ( عليه السلام ) على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأخبره أن قريشا قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك ، وأنزل الله عليه في ذلك : * ( وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّه واللَّه خَيْرُ الْماكِرِينَ ) * . واجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلا فيقتلوه ، وخرجوا إلى المسجد يصفرون ويصفقون ويطوفون بالبيت ، فأنزل الله : وما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وتَصْدِيَةً ) * « 2 » فالمكاء : التصفير ، والتصدية : صفق
هامش
( 1 ) في المصدر : بدمه . ( 2 ) الأنفال 8 : 35 .
البرهان في تفسير القرآن — صفحة 670 | السيد هاشم البحراني / قسم الدراسات الاسلامية / مؤسسة البعثة